تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على هذه المبادئ قام مذهب الملامتية، وبروحها استرشدوا فيما يقولون وما يعملون، بل فيما يخطر بقلوبهم ويختلج ضمائرهم من خواطر ونزعات، ولا شك أنهم ومن على شاكلتهم قد ضربوا لنا مثلا أعلى - وإن كان فيه شيء من المبالغة أحيانا - لما يجب أن يكون عليه إنكار الذات، كما ضربوا بالغرور والرياء والعجب والادعاء الإنساني عرض الحائط، ولكن من عجب الأمور وسخرية القضاء أن تكون الطبيعة الإنسانية التي تستسلم للدعاوى والغرور ورعونات النفس الأخرى، حتى تدعي الألوهية في شخص فرعون ونمرود، أو شبه الألوهية في شخص هتلر والحاكمين بأمرهم، هي هي الطبيعة الإنسانية التي تذهب إلى أقصى حدود التواضع، وتنادي بسحق الأنانية وتلاشيها في أشخاص رجال الملامتية ومن حذا حذوهم ما أحوجنا إلى قطرات من ذلك التواضع وإنكار الذات والإخلاص لله ولمثلنا العليا في القول والعمل والنية، تلقي في بحرنا الزاخر بالعجب والرياء والأنانية!

2 (1) زهد أبي العتاهية

فكرتان يفيض فيهما أبو العتاهية إفاضة ظاهرة: إحداهما زوال الدنيا وغرورها وباطلها، والثانية هول الموت ووحشة القبر وبشاعة الفناء، فأما الأولى فليس في تصوير أبي العتاهية إياها أمر غير مألوف لزهاد الإنسانية عامة، ولأتقياء صدر الإسلام خاصة، فالقرآن يقول:

إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ، وقد تكرر هذا المعنى في خطب الرسول وخلفائه، ولا سيما صاحب نهج البلاغة، وقد حفظ الأدب عند زهاد القرن الأول كالحسن البصري وغيره أقوالا في ذم الدنيا كفيلة أن تلهم شاعرا متزهدا مثل أبي العتاهية ألوانا من المعاني وضروبا من التصوير.

فالدنيا عند شاعرنا ليست بدار بقاء، وإنما هي دار فناء، حلاوتها ممزوجة بمرارة، وراحتها ممزوجة بعناء، تداعيها سريع، وزوالها وشيك، من ولد فيها فللموت، ومن بنى فللخراب، ما طلعت فيها شمس ولا غربت إلا لآجال، ومن عجب أننا فيها نلهو وأيامنا تذهب، ونلعب والموت لا يلعب، ونتكالب على الدنيا وهي تجتاحنا، ونتطاحن عليها ورحاها تدور من فوق رءوسنا.

وأما الموت فموقف أبي العتاهية منه غريب حقا، فهو لا يحن إلى الموت كلما حن إليه الزهاد في مختلف العصور، وهو لا يدلف إلى منيته بنفس مطمئنة ظامئة إلى لقاء الله، ولكنه يبدو في صورة المغيظ المحنق، الفزع من أهوال الموت وسكراته، ومن وحشة البلى وضمة القبر وفعل الفناء في الأجسام، فهذا الموت لا والدا يبقي ولا ولدا، ولا صغيرا ولا شيخا ولا أحدا، وله في الناس سهام غير مخطئة، من فاته اليوم سهم لم يفته غدا، والمنايا تجوس البلاد، وتبيد العباد، وستنال منا كما نالت من قبل من ثمود وعاد، ومن نزار وإياد، ومن بني الأصفر أهل القباب والأطواد، ونحن نريد بقاءه والخطوب تكيد لنا، والموت يهوي فاغرا فاه نحونا، فيجردنا من أصدقائنا أو يختطفنا من بين أحبائنا، ويلقي بنا إلى حفر تنعفر فيها الوجوه النضرة، وتبلي الأجساد المنعمة، فلا يبقى منها بعد ذلك إلا جماجم عارية وعظام نخرة، وليت الأمر وقف عند هذا.

فلو كان هول الموت لا شيء بعده

لهان علينا الأمر واحتقر الأمر

ولكنه حشر ونشر وجنة

ونار وما قد يستطيل به الخبر

فأبو العتاهية في تصويره للموت إنما يقف منه موقف الساخط المتشائم الذي يكره الموت والبلى، ويعجبه ريح الحياة وطيبها، ولكن أين أين المفر؟! وإذا فليزهد الشاعر في الحياة ما دامت هذه نهايتها، وليقف فنه على تحذير الناس من الركون إليها، وليشرح لهم حماقة من يبني فيها القصور ويشيد الدور ويجمع الأموال، وينشد المنصب والجاه.

التصوف والمتصوِّفة · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التصوف والمتصوِّفةص ٢٥