كانت حياة الزهد الحقة عند الملامتية هي حياة الروح لا الحياة المتمشية مع ظاهر الشرع، أو هي صدق المعاملة مع الله والإخلاص له وحده، لا المعاملة مع الناس، فلما حاولوا الوصول إلى هذه الغاية الشاقة العسيرة وجدوا النفس وأطماعها أكبر عائق اعترض سبيلهم، وأكثف حجاب وقف بينهم وبين ربهم فاعملوا معاولهم في هدم ذلك العائق وتمزيق ذلك الحجاب، وكانت معاولهم في ذلك أساليبهم في لوم النفس وعتابها وتأنيبها وتعريفها قدرها وإيقافها عند حدها، إذ طريق النفس في نظرهم طريق الأسر والعبودية والتعاسة والشقاوة في الدنيا والآخرة، والتخلص من النفس طريق الحرية والسعادة في الدارين، وفي هذا الجهاد الطويل العنيف ينحصر مذهب الملامتية، وفيه أيضا تنعكس تلك الصورة الخاصة من صور الزهد الإسلامي التي هي موضوع هذا الكتاب، ويتلخص مذهبهم في النفس فيما وصفها به بعضهم بأنها «كف من عجب في قالب ظلمة، وكف من جهل في قالب رعونة، وأن دواءها الإعراض عنها، وتأديبها مخالفتها، وصيانتها ملامتها.» وفي قول آخر: «حسن الظن بالله غاية المعرفة بالله، وسوء الظن بالنفس أصل المعرفة بها.» فأصل الآفات كلها هي النفس وهي مصدر الآثام والآلام والشرور، ولكن آفة آفات النفس عندهم والدليل على فقرها وقفرها هو «الرياء»، ومن أجل هذا كان لهم في الرياء كلام لا يدانيهم فيه غيرهم، وحوله تجتمع أصول مذهبهم، ولما كان الإخلاص في نظرهم هو الخلو من الرياء - إذ الإخلاص ليس صفة إيجابية وإنما هو حال تتحقق في النفس عند انعدام الرياء - كان أول واجب على الملامتي أن يمحو من صفحة النفس كل أثر من آثار الرياء، وهي كثيرة متنوعة، جلية أحيانا دقيقة خفية أحيانا أخرى، فمن الرياء الجلي الظهور بين الناس بملبس خاص، كلباس الصوفية من العباءة أو الخرقة أو ما شاكلهما، أو اعتزال الناس والانقطاع عن الكسب، أو الجلوس إلى الناس في مجالس الوعظ، أو التزين بشيء من العبادات، أو التباهي بالكرامات أو بأحوال الوجد والسكر والجذبة، وغير ذلك من الأعمال التي تورث الشهرة وتنم عن حب الظهور، ولذلك حرم الشيوخ الملامتية على مريديهم كل مظهر من هذه المظاهر، ومن الرياء الخفي أن ينظر ملامتي إلى عمله فيعجب به أو يرى فيه أثرا لنفسه لا يكون فضلا ومنة من الله، وكل عمل تقع عليه رؤية العبد باطل، بل إن وقوع الرؤية عليه دليل الغفلة ودليل عدم قبوله، فالواجب على الملامتي ألا يرى عمله، بل يرى العجز والتقصير في أدائه، ولقد يبالغ بعضهم فيرى أن النظر في العبادات والأعمال وتعظيمها ضرب من الشرك، لأنها تقلب العابد معبودا؛ إذ المعظم لعمله يشرك في حق الله بتعظيمه عملا غير عمل الله.
ومن خفي الرياء عندهم أن يجد العابد لذة العبادة والطاعة في نفسه؛ لأن من استحلى شيئا واستلذه عظم ذلك الشيء عنده، وتعظيم عمل النفس رياء، لذلك كان أخلص الأعمال والأحوال عندهم ما اعتقد صاحبه أنه مما أجراه الله على العبد من غير أن يكون له فيه إرادة، وليس على العبد إلا الاقتداء وترك الاختيار، ومن هنا كانت الطاعة في نظرهم من مرض النفس؛ لأن الطاعة تقتضي الاختيار، ودواء ذلك المرض الإنابة إلى الله والتسليم بمسبوق قضائه، بحيث لا يكون للعبد في عمله قليل أو كثير، وقد أدى بهم منطقهم لا إلى إسقاط الأعمال فحسب، بل إلى إسقاط الثواب على الأعمال أيضا، فأقل الناس معرفة بربه هو الذي يظن أن فعله أو طاعته تستجلب عطاء من الله أو ثوابا، بل المعرفة الحقة هي العلم بأن كل ما يرد من الله من نعم الدنيا وثواب الآخرة إنما هو فضل من الله من غير استحقاق من العبد، وقد كان الملامتية والمتقدمون من الصوفية يرون أن من صفات العبودية الحقة لله ألا يكون العبد في أعماله وأحواله التي بينه وبين الله كالأحرار؛ لأن من عادة الحر طلب الأجر وانتظار العوض على ما يعمل، وليس ذلك من شيمة العبيد، فإذا طمع العبد في شيء من ذلك فقد ترك سمة العبيد، وقد غلط بعض القوم فظن أن الحرية أعلى مقاما من العبودية، قياسا على أن الأحرار أعلى مرتبة في أحوال الدنيا من العبيد، فذهبوا إلى أن العبد ما دام بينه وبين الله تعبد فهو مسمى باسم العبودية، فإذا وصل إلى الله صار حرا وسقطت عنه العبودية وتكاليفها، والحقيقة أن العبد لا يكون عبدا حقا إلا إذا كان قلبه حرا من جميع ما سوى الله: فهذه هي الحرية الخالصة، ولكنها العبودية المحضة أيضا.