وظاهر أن هذا الموقف لا يطابق تمام المطابقة وجهة النظر الإسلامية العامة في الحياة والموت، والفناء والبقاء؛ فالإسلام في غالبية نصوصه ومواقف العارفين بأسراره قد جعل الدنيا مطية الآخرة، وحبب إلى الناس لقاء ربهم، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، والموت حق، والجنة حق، والنار حق، والمؤمنون مطالبون أن يعملوا لدنياهم كأنهم يعيشون أبدا، ويعملوا لآخرتهم كأنهم يموتون غدا، وربما وردت في أقوال الصالحين من رجال الصدر الأول عبارات زهد في الدنيا؛ لأن نهايتها الفناء، ولكنها أقوال عابرة نادرة لا تؤلف عند أصحابها مثل هذا الموقف اليائس المتشائم الذي وقفه أبو العتاهية.
ولعل هذا كان مما دفع باحثا مثل «جولدتسيهر» إلى تلمس مصادر الزهد العتاهي في الأفكار، والمثل الهندية التي تسربت إلى المسلمين في القرن الثاني من الهجرة، يقول جولدتسيهر في كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام»: «نخلص من هذا إلى بيان هذه الحقيقة، وهي أن الفكرة الدينية المسماة بالزهد التي صادفت الإسلام السني، والتي لا تتفق مع السمات المألوفة التي نعرفها في التصوف الإسلامي، تكشف عن آثار قوية تدل على تسرب المثل الأعلى للحياة عند الهنود إلى الإسلام، ومن أعظم المعبرين عن فكرة الزهد هذا الشاعر أبو العتاهية الذي عرض نموذجا للرجل الفاضل الجليل بقوله:
يا من ترفع للدنيا وزينتها
ليس الترفع رفع الطين بالطين
إذا أردت شريف الناس كلهم
فانظر إلى ملك في زي مسكين
أو ليس هذا هو بوذا.»
ويناقش «نيكولسون» في كتابه: «التاريخ الأدبي للعرب» فكرة جولدتسيهر على أساس أن هذين البيتين يحتملان تأويلا آخر وأنه ليس من الضروري أن يكون زهد أبي العتاهية هنا متجها إلى بوذا والتعاليم البوذية، غير أن نيكولسون يعقب على ذلك بقوله: «نعم، إن كثيرا من ديوان أبي العتاهية ليس دينيا خالصا بالمعنى الإسلامي، وربما صح أن يسمى فلسفيا، وقد كان هذا كافيا للحكم عليه بالزندقة والإلحاد في أعين معاصريه من اللاهوتيين المتزمتين الذين كانوا ينظرون شزرا إلى كل تعاليم أخلاقية ليست مصوغة في قالب العقيدة، وربما كان السبب الظاهر الذي قيل في حبس الرشيد إياه من أنه امتنع عن قول الغزل ليس إلا صورة شعبية للحقيقة الواقعة من أنه دأب على نظم قصائد دينية تميل ميلا خطرا إلى ناحية التفكير الحر.»
ويذهب «أحمد أمين بك» في «ضحى الإسلام» إلى أن أبا العتاهية كان زعيم النزعة الفارسية في الزهد العربي وأنه «أتى في هذا الباب بما لم يسبق إليه، وزاد في معانيه زيادة بشار وأبي نواس في أدب اللهو والمجون، وأصح تعبير في ذلك أن نقول: إنه فلسف الزهد وملأ الأدب العربي في عصره بالموت والتخويف منه ومما بعده واحتقار اللذة، والجد في الهرب منها.»
3
ثم يقول المؤلف: «وعلى الجملة، فالشعر الديني الذي كان يحمل لواءه في ذلك العصر «صالح بن عبد القدوس» و«أبو العتاهية» فيه نزعة ثنوية كان ينزعها الفرس قديما، ولنا أن نقول الآن إنه إن كان في نزعة بشار الإباحية عنصر مزدكي، ففي نزعة أبي العتاهية الزاهد عنصر مانوي.»
فالباحثون الثلاثة كما ترى يلتقون في أن أبا العتاهية قد تأثر بمؤثرات أجنبية في نزعته الزهدية، وأن روح هذه النزعة لم تكن إسلامية صرفة، وهي فكرة لها ما يؤيدها في تحليل موقف أبي العتاهية من الموت، وفي إشارات في شعره جعلت بعض السابقين من المؤلفين من أمثال «الصولي» ينبهون إلى ما في نظام تفكير أبي العتاهية من عناصر فلسفية ومذهبية، وليس هناك من شك في أن أبا العتاهية تعرض لأمثال تلك المؤثرات بحكم بيئته وثقافة عصره وما كان في ذلك العصر من تسرب الثقافات الهندية والفارسية واليونانية إلى المجتمع الإسلامي من طرق مباشرة وغير مباشرة، ولكن ضآلة نتائج هذه المؤثرات في شعر أبي العتاهية تجعلنا أميل إلى التماس مصادر تفكيره الزهدي في جداول الحياة الإسلامية العربية المشتركة، ويقوي هذا الميل عندنا أن الرجل لم يكن معروفا بتوسع في ثقافة، ولا عمق في تأمل، ولا انصراف إلى تفلسف، ولم يعرف عنه أنه شارك مشاركة جدية في مناقشة مذهبية أو دعوة دينية، وهذه الناحية فيه لم تفت معاصريه ، فجاره يقول عنه فيما يرى صاحب الأغاني، أنه كان من أقل الناس معرفة وقال له مرة «بشر المريسي»: يا أبا إسحاق! لا تصل خلف فلان جارك وإمام مسجدكم فإنه مشبه. فقال أبو العتاهية: كلا! إنه قرأ بنا البارحة «قل هو الله أحد»، كأنما يظن شاعرنا أن المشبه لا يقرأ قل هو الله أحد، ويذكر الجاحظ أن أبا العتاهية أراد مرة أن يناقش «ثمامة» بين يدي المأمون، فقال له المأمون: عليك بشعرك! فألح على الخليفة أن يأذن له بمساءلة ثمامة فأذن، فألقمه ثمامة حجرا، فضحك المأمون وقال له: ألم أقل لك أن تشتغل بشعرك وتدع ما ليس من عملك! ويذكرون أنه كان مذبذبا في مذهبه يعتقد شيئا فإذا سمع طاعنا عليه ترك اعتقاده إياه وأخذ غيره، ولست أظن أن أهل عصره كانوا جادين في اتهامه بالزندقة، فقد كانت المسألة أحيانا لا تعدو شيئا من الخصومة الأدبية أو التناظر في ميدان مشترك كالذي كان بينه وبين منصور بن عمار، مما دفع منصورا إلى أن يشنع عليه بأنه لا يذكر في شعره الجنة والنار، وإنما يذكر الموت، وإذا ذكر الجنة فإنما يتهاون بها ويتبذل ذكرها شعره، وربما جاءته التهمة مما عرف عنه من جمع الأموال وكنزها ثم التزهد مراءاة ونفاقا كما يقول سلم الخاسر، لا سيما إذا انضم إلى هذا عدم اشتهاره بالمشي إلى المساجد، وقد أشار إلى هذه النواحي جماز ابن أخت سلم الخاسر في قوله يعرض بأبي العتاهية: