تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعنده أن هذا الفيض هو الحدث الذي به ينتج الفضل الإلهي نور الوجود في كل جوهر يستقبل الكائن دون أن يحصل انفصال بين الصورة المدركة في علم الله والإله نفسه كما تستقبل المرآة صورة الإنسان دون أن ينفصل من هذا الإنسان وجهه المنعكس على المرآة، وإذا، فصدور الخلق عند ابن عربي هو شبيه بانعكاس المعلومات الإلهية على مرآة، وآدم هو عنده رمز لروح العالم أو هو لمعان هذه المرآة؛ إذ إن الله أوجد العالم قبل آدم، ولكنه كان وجودا غير حقيقي، أي إنه كان ظلا محضا أو وجودا عاديا لا روح فيه ولا حياة، كوجود الحمأ الذي صنع منه جسم آدم قبل نفخ الروح فيه، فلما وجد آدم ظهر الوجود الحقيقي للعالم، ومن ذلك يبين أن آدم هو المبدأ النوراني اللطيف الذي أتم الإله به الوجود ومنحه حقيقته، كذلك أيضا أن غاية الإله من إيجاد العالم هي أن يرى فيه جوهره الخاص، وآدم هو المبدأ الروحاني الذي به تحققت هذه الرؤية، فكان بالنسبة إلى الإله كالإنسان للعين.

7

| الزهد والتصوف

ينبغي أن نذكر هنا أن في التصوف - وهو من أروع صور الزهد - في الإسلام، تتمثل تلك الصورة في حياة وآداب طائفة من الصوفية يعرفون بالملامتية أو بالملامية على حد قول بعضهم، ظهرت طائفة الملامتية في القرن الثالث الهجري في ابتداء العصر الذهبي من عصور التصوف الإسلامي بمدينة نيسابور بخراسان - وخراسان مهد الفرق والاختلافات الدينية والمذهبية الغريبة منذ دخول الإسلام إليها - وكان على رأسها الشيخ أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة المعروف بحمدون القصار المتوفى في سنة 271ه، ومن أجلة مشايخها أبو حفص عمر بن سالم الحداد المتوفى سنة 270ه، وأبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحبري المتوفى سنة 298ه.

ولم يكن لهؤلاء القوم طريقة منظمة محدودة المعالم كما كان للطرق الصوفية التي ظهرت في العصور الإسلامية المتأخرة، ولكنهم كانوا جماعة من الزهاد - أشبه بجماعة «إخوان الصفا» في نظامهم - ثاروا على بعض تقاليد الصوفية التي كانت تتنافى في نظرهم مع صفات الكاملين من الرجال، وعلى ما تفشى في عهدهم - على قرب من عهد الرسول عليه السلام - من شرور وآثام، وفساد في الطبع، وضعف وتراخ في المعاملة مع الله، وجعلوا الغاية من حياتهم - كما يشهد بذلك اسمهم - تأديب النفس بملامتها واتهامها في كل ما يصدر عنها من قول أو فكر أو عمل، قصدا إلى إصلاحها وتقويم معوجها، وتحريرها من قيود عبوديتها وهي قيود الشهوات والأطماع، وقد سموا ملامتية من أجل هذا، وتحقيقا في أنفسهم لذلك المعنى النبيل الذي يشير إليه القرآن في قسم الله بالنفس اللوامة المحاسبة العاتبة المراقبة لصاحبها في كل حركاته وسكناته، أو لأنهم - كما يقول بعض النقاد - راقبوا الله وحده في أعمالهم وخواطر قلوبهم، فأخلصوا له العمل

1

والنية فيه، ولم يعبئوا بظواهر الأعمال، ولا بما قد يجره خروجهم على بعض الأحكام - في الظاهر - من لوم الناس وتأنيبهم، بل ربما تعمدوا ذلك الخروج استجلابا لذلك اللوم والتأنيب وقهرا للنفس وتحقيرا لها. ولكن لندع الآن اسم هذه الطائفة واختلاف الكتاب في أمره، ولننظر قليلا في أخص صفات مذهبهم في الزهد، وتعاليمهم التي امتازوا بها من غيرهم، وكان لهم بفضلها أثر بالغ تجاوز موطنهم الأصلي «خراسان» إلى غيره من الأقطار الإسلامية، وظل يلعب دورا هاما في هذه الأقطار - لا سيما الشرقية منها - إلى عهد قريب.

للزهد ناحيتان: ناحية عملية يبدو أثرها في أعمال الزهد الظاهرة المتصلة - على حد قولهم - بأعمال الجوارح، أو المتصلة بأسلوب الحياة الروحية الخاصة التي يختارها الزاهد لنفسه أو التي يطالبه الشرع بها من مأكل ومشرب وملبس، أو صلاة وصوم وحج، أو تهجد وقيام بالليل ونحو ذلك، والناحية الثانية هي الناحية النفسية أو الباطنية المتصلة بأحكام القلوب وأعمالها من محاسبة للنفس ومراقبة لها ورعاية لله وحقوقه في كل ما يصدر عن النفس من قول أو عمل أو يخطر بالقلب من خاطر، وقد ظهرت هذه التفرقة في الزهد الإسلامي أول ما ظهر، بل قد وضعت - منذ العصور الإسلامية الأولى - حدا فاصلا بين الفقهاء والمتصوفة من جهة، وبين مدرستين من مدارس التصوف الإسلامي: هما مدرستا العراق والشام، من جهة أخرى، وفي هذا المعنى يقول رويم البغدادي المتوفى سنة 303: «كل الخلق قعدوا مع الرسوم؛ أي أحكام الشرع الظاهرة، وقعدت هذه الطائفة «الصوفية» مع الحقائق، وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع، وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق.» وبهذا المعنى أيضا يفرق بعض رجال الصوفية بين أهل الشريعة وأهل الحقيقة: أهل الظاهر وأهل الباطن، والصوفية بالرغم من إجماعهم على التمسك بالشريعة الإسلامية واتباع أوامر الدين وجعلهم ذلك ركنا أساسيا من أركان التصوف، مختلفين فيما هو المقصود بالشريعة على وجه التحقيق، فبعضهم يفهم الشريعة بمعناها الظاهري من أنها جملة أوامر ونواه تتصل بالعبادات والمعاملات والاعتقادات، وهؤلاء يعدون اتباع الرسول والقيام بشعائر الدين على نحو ما قام بها الرسول شرطا أساسيا في طريقتهم، وبعضهم يقوم بشعائر الدين، ولكنه يعدها صورا ورمزا لمعان روحية أعمق في النفس وأبعد أثرا، وطائفة ثالثة وهم الملامتية لا يقيمون لظاهر الأعمال الشرعية وزنا، إذ الشريعة عندهم هي المعاملة الخالصة الصادقة مع الله، بل ربما عمد بعضهم إلى فعل ما يتنافى في الظاهر مع الشرع - ولا يتنافى في الحقيقة مع روحه - استجلابا للوم الناس وتعذيرهم وبخعا للنفس وتأديبا، وأكثر ما يدفعهم إلى ذلك الفرار من الشهرة والرغبة في الابتعاد بالنفس عن مواطن الرياء، حتى إن أحدهم ليمر بالأذى فما يمعنه من رفعه عن الطريق إلا مخافة الشهرة، وإن أحدهم لتأتيه الدمعة فيصرفها إلى الضحك مخافة الرياء، ومن أمثلة أعمالهم التي يستجلب ظاهرها اللوم والتعذير، ما روي من أن أبا عثمان الحيري طلب يوما مالا لينفقه في بعض الثغور، فتأخر عنه، فضاق صدره وبكى على رءوس الناس، فأتاه أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي «وكان آخر من مات من الملامتية من أتباع أبي عثمان» بعد العتمة بكيس فيه ألفا درهم، ففرح أبو عثمان ودعا له، ولما جلس في مجلسه نوه بعمل أبي عمرو وقال: «أيها الناس، إنا أبا عمرو قد ناب عن الجماعة في ذلك الأمر بشدة وحمل كذا وكذا، فجزاه الله خيرا»، فقام أبو عمرو - وقد شعر أن صدقته قد ظهرت للناس - وقال: ردوا إلي المال، فقد أخذته خطأ من مال أمي، ولا بد من رده عليها، فأخرج إليه الكيس وتفرق الناس، فلما جاء الليل ذهب إلى أبي عثمان وأعطاه المال وقال: اجعله في ذلك الوجه من حيث لا يعلم الناس.

التصوف والمتصوِّفة · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التصوف والمتصوِّفةص ٢٣