فهذا النص يصور لنا الحالة التي دخل عليها هذا الرجل إلى اليمن، وأنه وحيد يبحث عمن يفاتحه، أي يكلمه في دعوته ويستقطبه، ثم يقول: (فقصدت عدن أبين لما أجد ، وسألت عما يحمل إليه من التجارة ، ولأستتر بذلك ، فقيل : العطب - يعنون القطن - ، وقيل لي : إن بها ناسا من الشيعة فإنها فرضة الهند وأم البلد . فاشتريت قطنا ، وقصدت إليها ، فلما وصلت إليها سألت عن سوق بيع القطن ، فدللت إليها ، فاكتريت فيه حانوتا فيها بما معي منه ، ورأيت في السوق قوما يتذاكرون فضائل علي عليه السلام ، فأصابنا مطر دائم ، فإني يوما لجالس في داخل الحانوت ، والمطر يسكب إذ دخل علي جماعة منهم ، فجلسوا وتحدثوا عندي ، ثم أخذ أحدهم بيدي فخلا بي ، فقال : ما هذا وجه بياع قطن ، ولكن معك شيء من علم آل محمد . قلت : أنا رجل تاجر . قال: دعني من هذا ، لعلك سمعت ببني موسى ؟ قلت : نعم . قال : فنحن هم ، ونحن شيعته ، وهذا أوان ننتظر فيه دخول داعي المهدي إلينا على ما تقدمت به الروايات عندنا ، وإنا لنجد صفته فيك ، ولهذا جئناك ، فهات ما عندك ، فنحن إخوانك . قال أبو القاسم : ولم يزل بي حتى كشفت له الأمر، وما برح حتى أخذت عليه العهد . وقام فأتاني بأصحابه ، فأخذت عليهم، فعزموا علي، فنقلوني إلى محلهم ، وكنت عندهم ، وآتوني برجال ممن كان بالموضع من أصحابهم ، فأخذت عليهم . ثم قالوا : إن إخواننا من الشيعة بعدن لاعة فترى نرسل إليهم...) (1)
وهكذا بدأت الدعوة تمد عروقها في داخل اليمن حتى : (أظهر أمره ، وقام بالحرب ، وافتتح مدائن باليمن ، وغلب على ملوكها، وافتتح صنعاء، وأخرج بني يعفر منها، وفرق الدعاة في سائر اليمن وما يليه من البلدان) (2)
(1) نفس المصدر ص 410 - 411
(2) نفس المصدر ص413