في هذه السنة –أي سنة 407هـ- في المحرم قتلت الشيعة بجميع بلاد أفريقية . وكان سبب ذلك، أن المعز بن باديس ركب ومشى في القيروان، والناس يسلمون عليه ويدعون له ، فاجتاز بجماعة فسأل عنهم، فقيل هؤلاء رافضة يسبون أبا بكر وعمر، فقال رضي الله عن أبي بكر وعمر، فانصرفت العامة من فورها إلى درب المقلي من القيروان، وهي تجتمع به الشيعة، فقتلوا منهم، وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم، طمعا في النهب، وانبسطت أيدي العامة في الشيعة، وأغراهم عامل القيروان وحرضهم . وسبب ذلك أنه كان قد أصلح أمور البلد ، فبلغه أن المعز بن باديس يريد عزله ، فأراد فساده، فقتل من الشيعة خلق كثير، وأحرقوا بالنار، ونهبت ديارهم، وقتلوا في جميع أفريقية ، واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قريب القيروان، فتحصنوا به فحصرهم العامة، وضيقوا عليهم ، فاشتد عليهم الجوع، فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم، ولجأ من كان منهم بالمهدية إلى الجامع فقتلوا كلهم) (1) .
وفي الحقيقة نجد أن هذا العنف قد تولد عن سنوات من الاضطهاد والقمع والمعاناة، وما أن أتيحت الفرصة، حتى كال السنة للشيعة بنفس المكيال الذي كانوا يكيلون لهم منه، وسقوهم من نفس الكأس التي لطالما سقوهم منها.
وكانت هذه هي الضربة القاضية التي قصمت المذهب، ومسحت أي وجود له بعد ذلك اليوم.
ولا بد أن يكون هناك بقايا قد آثرت إخفاء عقيدتها، ولا بد أيضا أن تموت عقيدتهم المخفية معهم، وتدفن معهم في قبورهم.
وبهذا لم يبق أي أثر للشيعة في بلاد المغرب.
يقول السيد محسن الأمين –من علماء الشيعة في القرن الماضي- في كتابه أعيان الشيعة، الذي تتبع فيه الشيعة عبر مختلف الأزمنة والأمكنة، بعد أن ذكر هذه الحادثة: (ولا يعرف اليوم هناك أحد من الشيعة) (2)
ويتلخص من هذا المبحث أمور:
(1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير ج 9 - ص 294 - 295
(2) أعيان الشيعة ج1 ص196