وبعد أن أوضح بعض المعالم الجديدة في التشيع الفارسي قال: ( وذلك هو التشيع الذي دخل المغرب العربي في أواخر القرن الثالث، ومن قبل دخل التشيع هذه البلاد مع إدريس بن عبد الله في أواخر القرن الثاني، ولكن ما أبعد ما بين التشيع الجديد والتشيع القديم: التشيع الفارسي والتشيع العربي... فدولة الأدارسة لم تكد تفرض مذهبا معينا، أو أن ما فرضته من ذلك إنما كان في حدود ضيقة ...قبل أن يصطبغ التشيع بتلك الصبغة الباطنية، ويرتبط بالقومية الفارسية) (1)
والحق أن المولى إدريس لم يكن شيعيا إلا بالانتماء السياسي، وبكونه من المطالبين بأحقية أهل البيت في خلافة المسلمين، ولهذا لم ينشر في المغرب إلا الدعوة السنية النقية، حتى أسماه بعض المغاربة بالفاتح الثاني للمغرب.
يقول الدكتور سعدون عباس نصر الله: ( ومما يثير الاستغراب أن الأدارسة كانوا علويين شيعة، والقضاء في دولتهم على المذهب المالكي) (2) ولم يبين سبب هذا التناقض الذي أشكل عليه، ولو كان المولى إدريس شيعيا مذهبا لألزم الناس بمذهبه، فقد كانوا وهم أهل بادية، على أتم الاستعداد لقبول كل ما يأتي به المولى إدريس، وما الذي يحمله على تولية قضاة مالكيين، والمغرب الأقصى ما زال في ذلك الوقت أرضا بورا يقبل أي مذهب وصل إليه، لذلك حينما وصل أبو عبد الله الشيعي، غرس المذهب الشيعي ودعا الناس إليه، فقبلوه واعتنقوه، وهذا التناقض الذي أشكل عليه إنما يزول إذا عرفنا الفرق بين التشيع السياسي الذي كان في ذلك الوقت، والذي بينّا عناصره، وبين التشيع العقدي الديني الذي جلبه الدعاة الفاطميون.
(1) نفس الموضع من المصدر السابق
(2) دولة الأدارسة في المغرب، العصر الذهبي، سعدون عباس نصر الله ص126 طبعة دار النهضة العربية.