وهذه ليست دعوة لترك القيام بأعمال الخير، أو لترك الالتزام بأحكام الشرع من واجبات ومندوبات، وإنما هي دعوة لكلّ راعٍ أن يقوم بما طلبه الله منه تجاه رعيته. فالمسلم كفرد مطلوب منه أن يصلي ويصوم، ويزكي ويتصدق، وأن يساعد المحتاجين ويرعى اليتيم، وغيرها من الأعمال المطلوبة منه على وجه الفرض أو الندب أو الإباحة. ومطلوب منه أيضاً أن يعمل مع جماعة أو حزب لاستئناف الحياة الإسلامية، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَلْتكُن منكم أمّة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ﴾ ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) رواه مسلم.
وقد حدد الإسلام الأعمال السياسية والفكرية التي يقوم بها الفرد مع الحزب أو الجماعة، وهي غير الأعمال المطلوبة منه كفرد خارج هذا الحزب أو الجماعة، وغير الأعمال المطلوبة من الدولة، فلكلّ جهة مسئوليتها ولكل جهة رعيتها. فعلى الحزب أن يقتصر في أعماله على الأعمال التي تعتبر مسئوليته شرعاً، لأنَّ انشغاله بغيرها يكون انشغالاً بأعمال ليست من مسئوليته، فضلاً على أنها غير مطلوبةٍ منه شرعاً، فهي تُعيق عمل الحزب وتحرفه عن خط سيره الشرعي، وتشغله عن عمله الأساس.
وكذلك لم يأمر الله تعالى الحزب، كحزب يدعو إلى استئناف الحياة الإسلامية، أن يقيم الحدود الشرعية كقطع يد السارق وجلد أو رجم الزاني، لا على أعضائه ولا على أفراد الأمة، لأنَّ تطبيق الحدود هي مسئولية الدولة، وليست مسئولية الحزب.
وهذا لا يعني أن يقتصر حامل الدعوة على القيام بأعمال حمل الدعوة فقط، بل عليه وهو يحمل الدعوة أن يلتزم كفرد في جميع أعماله وأقواله بأحكام الإسلام، كأن يرعى أسرته ويربي أولاده ويطلب الرزق في مظانّه، ويساعد المحتاج ويتصدق على الفقير، ويتصف بالصدق والعفّة.