أمّا الصراع الفكري، فهو نقد الأفكار المغلوطة نقداً لاذعاً، ومهاجمتها مهاجمةً شديدة، ومهاجمة ما بُني عليها من مفاهيم وعلاقات، ثمّ رسم الخط المستقيم إلى جانب الخط الأعوج، فلا تكفي المهاجمة المجرّدة، بل لا بدّ من بيان خطأ الأفكار وفسادها بمخالفتها الإسلام، ثمّ بيان أفكار الإسلام وأحكامه التي تحلّ مكانها لتنظيم علاقات الناس وحياتهم. وهذا الصراع الفكري كما يتناول أفكار العقائد، فهو يتناول أيضا الأفكار المنبثقة عن العقائد أو المبنية عليها.
ويبرز الصراع الفكري في الثقافة الجماعية وتبني المصالح وكشف الخطط، لكون هذه الأعمال الثلاثة لها علاقة بالأفكار والأحكام التي تنظم العلاقات في المجتمع، لأنّ المجتمع في بلد ما، هو العلاقات الدائمة بين الأفراد، وتغيير المجتمع يكون بتغيير الأفكار التي تنظم العلاقات بين أفراده بالصراع الفكري.
قال تعالى: ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كلّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عمّا يصفون ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقهم وإياكم ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ﴾ ، فالصراع الفكري يظهر في الآيات الثلاث على التوالي: في الثقافة الجماعية " العقائد"، وفي تبني المصالح "قتل الأولاد بسبب الفقر"، وفي كشف الخطط "الزعم بأنّ القرآن من رجل وليس من الله تعالى".
والحزب، الذي يعمل للتغيير على أساس مبدئي، لا ينجح في عمله بدون الصراع الفكري، لكونه مطلوبا منه أن يكون قوّاما ومشرفا على فكر المجتمع وحسّه، لكي يصوغ المجتمع بفكر الحزب صياغة إسلامية، تمهيدا لإقامة الخلافة التي تطبق الإسلام على رعيتها وتحمله إلى العالم.