وفي غير هاتين الحالتين تظلّ طاعة الأمير واجبة من قبل مَن أمّروه فيما أمّروه له، ولا يجوز الخروج عليه، أو الخروج من إمارته إن كان أميراً عاماً، لأنّ الخليفة في الزمن الواحد واحد، لا يجوز أن يتعدد. فمن شقّ عصا الطاعة في الخلافة، أو فارق جماعة المسلمين، قُوتل حتى يرجع إلى الطاعة والجماعة، وإلاّ قُتل، قال - صلى الله عليه وسلم -: «(مَن أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشقّ عصاكم، أو يُفرِّق جماعتكم فاقتلوه)» رواه مسلم. وأمّا إن كان الأمير خاصاً كأمير الحزب، أو أمير السفر، أو أمير الوفد، فإنّ طاعته، فيما أُمِّر له، أيضاً واجبة في غير المعصية وفي غير الكفر، وإنّ معصيته حرام، قال - صلى الله عليه وسلم -: «(ومن يُطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)» رواه البخاري.
وخروج المكلف بحمل الدعوة من إمارة أي حزب غير جائز ما دام الحزب مبرئاً للذمة، فإن غلب على ظنّ من أراد الخروج أنّ العمل في هذا الحزب غير مبرئ للذمة، جاز له أن يخرج منه على أن يتلبس الخارج منه بالعمل لاستئناف الحياة الإسلامية في حزب آخر، مستوف للشروط الشرعية، الذي من شأنه أن يوصل لتلك الغاية، أو أن يعمل على تأسيس حزب لتحقيق الغاية نفسها، لأنّ تعددَ الأحزاب القائمة على أساس العقيدة الإسلامية جائزٌ لقوله تعالى: ﴿ وَلْتَكنْ منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ ، لأنّ لفظ "أمّة" نكرة في سياق الطلب، والنكرة في سياق الطلب تفيد الجنس ما لم تُقيد بقيد كالصفة مثل: "أمّة واحدة"، وفي الآية يُراد بها الجنس لا الفرد الواحد لأنّها مطلقة ولم تُقيد بأيّ قيد، ونظير ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من رأى منكم منكرا فليغيره)، فالمقصود من لفظ "منكرا" جنس المنكر لا منكر واحد.