الصُّرَيْمَة والْغَنِيمَة: أَيْ صَاحِب الْقِطْعَة الْقَلِيلَة مِنْ الإبل وَالْغَنَم , وَمُتَعَلِّق الإِدْخَال مَحْذُوف وَالْمُرَاد الْمَرْعَى. قَوْله: (وَإِيَّايَ) فِيهِ تَحْذِير الْمُتَكَلِّم نَفْسه , وَهُوَ شَاذّ عِنْد النُّحَاة , كَذَا قِيلَ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الشُّذُوذ فِي لَفْظه , وَإِلا فَالْمُرَاد فِي التَّحْقِيق إِنَّمَا هُوَ تَحْذِير الْمُخَاطَب , وَكَأَنَّهُ بِتَحْذِيرِ نَفْسه حَذَّرَهُ بِطَرِيقِ الأَوْلَى فَيَكُون أَبْلَغَ , وَنَحْوه نَهْي الْمَرْء نَفْسه وَمُرَاده نَهْي مَنْ يُخَاطِبهُ.
وَقَوْله فِيهِ " اِبْن عَوْف " هُوَ عَبْد الرَّحْمَن , وَابْن عَفَّانَ هُوَ عُثْمَان , وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ عَلَى طَرِيق الْمِثَال لِكَثْرَةِ نِعَمهمَا لأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ مَيَاسِير الصَّحَابَة , وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مَنْعهمَا الْبَتَّة , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْعَ الْمَرْعَى إِلا نِعَم أَحَد الْفَرِيقَيْنِ فَنِعَم الْمُقِلِّينَ أَوْلَى , فَنَهَاهُ عَنْ إِيثَارهمَا عَلَى غَيْرهمَا أَوْ تَقْدِيمهمَا قَبْل غَيْرهمَا , وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَة ذَلِكَ فِي نَفْس الْخَبَر.
قَوْله: (يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ) حَذَف الْمَقُول لِدَلالَةِ السِّيَاق عَلَيْهِ , وَلأَنَّهُ لا يَتَعَيَّن فِي لَفْظ , وَالتَّقْدِير يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنَا فَقِير , يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنَا أَحَقّ وَنَحْو ذَلِكَ.
قَوْله: (أَفَتَارِكهمْ أَنَا) اِسْتِفْهَام إِنْكَار وَمَعْنَاهُ لا أَتْرُكهُمْ مُحْتَاجِينَ
وَقَوْله " لا أَبَا لَك " َظَاهِره الدُّعَاء عَلَيْهِ , لَكِنَّهُ عَلَى مَجَازه لا عَلَى حَقِيقَته , وَالْحَاصِل أَنَّهُمْ لَوْ مُنِعُوا مِنْ الْمَاء وَالْكَلأ لَهَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ فَاحْتَاجَ إِلَى تَعْوِيضهمْ بِصَرْفِ الذَّهَب وَالْفِضَّة لَهُمْ لِسَدِّ خُلَّتهمْ , وَرُبَّمَا عَارَضَ ذَلِكَ الاحْتِيَاج إِلَى النَّقْد فِي صَرْفه فِي مَهَمٍّ آخَر. (1)
ـ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
(أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ الْحُمْلانَ لَهُمْ إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلا أَشْعُرُ وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمْ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلالاً يُنَادِي أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ فَأَجَبْتُهُ،
(1) الفتح (6/ 204).