((سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاء يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لا تَعْرِفُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ فَلَيْسَ لأُولَئِكَ عَلَيْكُمْ طَاعَة))
قَوْله (عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّه فِيهِ بُرْهَان) أَيْ نَصّ آيَة أَوْ خَبَر صَحِيح لا يَحْتَمِل التَّأْوِيل , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لا يَجُوز الْخُرُوج عَلَيْهِمْ مَا دَامَ فِعْلهمْ يَحْتَمِل التَّأْوِيل.
قَالَ النَّوَوِيّ: الْمُرَاد بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعْصِيَة , وَمَعْنَى الْحَدِيث لا تُنَازِعُوا وُلاة الْأُمُور فِي وِلايَتهمْ وَلا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ إِلا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِد الإِسْلام ; فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوا عَلَيْهِمْ وَقُولُوا بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ اِنْتَهَى.
وَقَالَ غَيْره: الْمُرَاد بِالإِثْمِ هُنَا الْمَعْصِيَة وَالْكُفْر , فَلا يُعْتَرَض عَلَى السُّلْطَان إِلا إِذَا وَقَعَ فِي الْكُفْر الظَّاهِر , وَاَلَّذِي يَظْهَر حَمْل رِوَايَة الْكُفْر عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْمُنَازَعَة فِي الْوِلايَة فَلا يُنَازِعهُ بِمَا يَقْدَح فِي الْوِلايَة إِلا إِذَا اِرْتَكَبَ الْكُفْر , وَحَمْل رِوَايَة الْمَعْصِيَة عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْمُنَازَعَة فِيمَا عَدَا الْوِلايَة , فَإِذَا لَمْ يَقْدَح فِي الْوِلايَة نَازَعَهُ فِي الْمَعْصِيَة بِأَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ بِرِفْقٍ وَيَتَوَصَّل إِلَى تَثْبِيت الْحَقّ لَهُ بِغَيْرِ عُنْف , وَمَحَلّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ قَادِرًا وَاَللَّه أَعْلَم.
وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ قَالَ:
الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاء فِي أُمَرَاء الْجَوْر أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى خَلْعه بِغَيْرِ فِتْنَة وَلا ظُلْم وَجَبَ , وَإِلا فَالْوَاجِب الصَّبْر. وَعَنْ بَعْضهمْ لا يَجُوز عَقْد الْوِلايَة لِفَاسِقٍ اِبْتِدَاء , فَإِنْ أَحْدَثَ جَوْرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَدْلاً فَاخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الْخُرُوج عَلَيْهِ , وَالصَّحِيح الْمَنْع إِلا أَنْ يُكَفِّر فَيُجِبْ الْخُرُوج عَلَيْهِ (1).
وجوب عزل من لم يقم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) شرح حديث عبادة برقم (6532) بترقيم فتح الباري.