ترك النفقة إلقاء بالنفس في التهلكة
قال تعالى: ((وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) (1)
هذه الآية على عكس ما يفهما كثير من الناس، والبعض الآخر يقتطع جزءًا منها ويترك الباقي فيقول "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" ويسكت، يريد بذلك صون نفسه أو حث غيره عن سلوك أي أمر في نوع مخاطرة ولو كان ذلك في سبيل الله تعالى .. وهذا من الضلال المبين.
إنما هذه الآية تأمر بالإنفاق في سبيل الله تعالى، وأن ترك الإنفاق في سبيل الله هو التهلكة، فالتهلكة إذا هو ترك الجهاد والنفقة فيه، لا الدخول في الجهاد كما يحلو للبعض فهم ذلك والدعوة إلى باطلهم.
عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه:
(("وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ)) (2)
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حُذَيْفَة جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب قَالَ:
((كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ , فَخَرَجَ صَفّ عَظِيم مِنْ الرُّوم , فَحَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفّ الرُّوم حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ , ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلاً. فَصَاحَ النَّاس: سُبْحَان اللَّه , أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة. فَقَالَ أَبُو أَيُّوب: أَيّهَا النَّاس , إِنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة فِينَا مَعْشَر الأَنْصَار: إِنَّا لَمَّا أَعَزّ اللَّه دِينه وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قُلْنَا بَيْننَا سِرًّا: إِنَّ أَمْوَالنَا قَدْ ضَاعَتْ , فَلَوْ أَنَّا أَقَمْنَا فِيهَا وَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الآيَة , فَكَانَتْ التَّهْلُكَة الإِقَامَة الَّتِي أَرَدْنَاهَا)) (3)
وَصَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ نَحْو ذَلِكَ فِي تَأْوِيل الآيَة.
عن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله (وأنفقوا في سبيل الله) الآية قال:
(1) البقرة 195
(2) رواه البخاري في تفسير القرآن (4516).
(3) أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم