يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ" الآيَةَ)) وعند مسلم ((قَالَ فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ)) (1)
(لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) الآيَة.
(كُنَّا نُحَامِلُ) أَيْ: نَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِنَا بِالأُجْرَةِ , يُقَالُ: حَامَلْت بِمَعْنَى حَمَلْت كَسَافَرْت. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: يُرِيدُ نَتَكَلَّفُ الْحَمْل بِالأُجْرَةِ لِنَكْتَسِب مَا نَتَصَدَّقُ بِهِ , وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ " اِنْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ " أَيْ: يَطْلُبُ الْحَمْلَ بِالأُجْرَةِ
(فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ) هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف, وَالشَّيْء الْمَذْكُور كَانَ ثَمَانِيَةَ آلافٍ أَوْ أَرْبَعَة آلاف.
(وَجَاءَ رَجُل) هُوَ أَبُو عَقِيل، ووَقَعَ ذَلِكَ أَيْضًا لأبِي خَيْثَمَةَ , وَأَنَّ الصَّاعَ إِنَّمَا حَصَلَ لأَبِي عَقِيل لِكَوْنِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ عَلَى النَّزْحِ مِنْ الْبِئْرِ بِالْحَبْلِ. (2)
فالمؤمن يبذل ما في وسعه، وما يطيق، ولو كان قليلاً، فإن الله تعالى يجزي الكثير على القليل، ما دام الإنسان يبذل ما في وسعه وقد حسنت نيته لله تعالى.
عن عَدِي بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) (3)
وعند مسلم: ((مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنْ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ)) (4)
قال الحافظ في الفتح: وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَا قَلَّ وَمَا جَلَّ , وَأَنْ لا يَحْتَقِرُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ , وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الصَّدَقَةِ يَسْتُرُ الْمُتَصَدِّق مِنْ النَّارِ. ا. هـ (5)
وقال النووي في شرح مسلم: وَفِيهِ: الْحَثّ عَلَى الصَّدَقَة , وَأَنَّهُ لا يَمْتَنِع مِنْهَا لِقِلَّتِهَا , وَأَنَّ قَلِيلَهَا سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ. ا. هـ (6)
(1) رواه البخاري في الزكاة باب اتقوا النار ولو بشق تمرة (1415)، ومسلم في الزكاة (1692)، والنسائي في الزكاة (2482)، وابن ماجه في الزهد (4145).
(2) فتح الباري (3/ 333)
(3) رواه البخاري في الزكاة باب اتقوا النار ولو بشق تمرة (1417)، ومسلم في الزكاة (1690)، والنسائي في الزكاة (2505)، وأحمد (17535)
(4) رواه مسلم في الزكاة باب الحث على الصدقة (1687).
(5) فتح الباري (3/ 334)
(6) شرح مسلم (3/ 458)