تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من كِبارِ الصَّحابةِ، وجلَّةِ الأنصارِ، ومِمَّن شهِدَ بدرًا، وقد خالفَ عُمر بن الخطّابِ في ذلك، وأبى مِمّا رآهُ، وقال: والله لا يكونُ ذلك. ومعلُومٌ أنَّ محمدَ بن مَسْلمةَ لو كان رأيُهُ ومذهبُهُ في ذلكَ، كمذهبِ عُمرَ، ما امتنعَ من ذلك، ولو علِمَ أنَّ ذلكَ من قَضاءِ الله، أو من قَضاءِ رسُولِهِ - ﷺ - على الإيجابِ للجارِ، لما خالفهُ، ولكِنْ رآهُ على النَّدبِ، خِلافًا لمذهبِ عُمر.

وإذا وُجِدَ الخِلافُ بيْنَ الصَّحابةِ في ذلك، وحط النَّظرُ، والنَّظرُ في هذه المسألةِ يدُلُّ على صِحَّةِ ما ذهَبَ إليه مالكٌ ومن قال بقُولِهِ؛ والدَّليلُ على ذلكَ: قولُ رسُولِ الله - ﷺ -: "إنَّ دِماءَكُم، وأموالَكُم، وأعراضَكُم، عليكُم حرامٌ" (١)، يعني: أموالَ بعضِكُم على بعضٍ، ودِماءَ بعضِكُم على بعضٍ، وأعراضَ بعضِكُم على بعض حرامٌ، وقال - ﷺ -: "إنَّ الله حرَّم من المُؤمِنِ دمَه، ومالَهُ، وعِرْضَه، وأن لا يُظنَّ بهِ إلّا الخيرُ" (٢)، وقال - ﷺ -: "لا يحِلُّ مالُ امرِئ مُسلِم، إلّا عن طيبِ نفسٍ منهُ" (٣).

والأُصُولُ في هذا كثيرةٌ جِدًّا، ولهذه الأُصُولِ الجِسام ومثلِها (٤) من الكِتابِ والسُّنَّةِ، حمَلَ أهلُ العِلم هذا الحديثَ على النَّدبِ والفَضْلِ والإحسانِ، لا على الوُجُوبِ، لتُسْتعمَلَ أخبارُ وسُنَّتهُ - ﷺ - كلُّها، وهكذا يجِبُ على العالِم ما وجدَ إلى ذلك سبيلًا.

(١) أخرجه أحمد في مسنده ٣٤/ ٢٣ - ٢٤، ٢٨، ٤٨، ٦٢، ١٣٧ (٢٠٣٨٦، ٢٠٣٨٧، ٢٠٤٠٧، ٢٠٤١٩، ٢٠٤٩٨)، والبخاري (٦٧، ١٠٥، ١٧٤١، ٤٤٠٦، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧)، ومسلم (١٧٧٩) (٢٩، ٣٠، ٣١) من حديث أبي بكرة، به، بخبر خطبة حجة الوداع. وانظر: المسند الجامع ١٥/ ٥٦٤ - ٥٦٨.

(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (٦٧٠٦) من حديث ابن عباس، مرفوعًا.

وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٨٣٢٧) من طريق مجالد بن سعيد (وهو ضعيف) عن الشعبي، عن ابن عباس، موقوفًا.

(٣) سلف تخريجه في هذا الباب.

(٤) في م: "ولمثلها".

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار · الجزء ٧ · الصفحة ٨٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشارج ٧ · ص ٨٧