تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسلمينَ في الجنَّةِ لا محالةَ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ الرَّحمةَ إذا نزَلت بآبائِهم مِن أجلِهم، استَحالَ أن يُرحمُوا مِن أجلِ مَن ليسَ بمَرحوم، ألا ترَى إلى قوله -ﷺ-: "بفضلِ رحمتِه إيَّاهم"؟ فقد صارَ الأبُ مرحُومًا بفَضلِ رحمتِهم، وهذا على عُمُومِه؛ لأنَّ لفظَه -ﷺ- هذه الأحاديثِ لفظُ عُموم.

وقد أجمعَ العلماءُ على ما قُلنا مِن أنَّ أطفالَ المسلمينَ في الجنَّةِ، فأغْنَى ذلك عن كثيرٍ مِن الاستدلالِ، ولا أعلمُ عن جماعَتِهم في ذلك خلافًا، إلّا فِرْقَةً شذَّتْ مِن المُجبِرةِ (١)، فجعَلتهم في المشيئةِ. وهو قولٌ شاذٌّ مهجورٌ، مردودٌ بإجماع الجماعةِ، وهم الحُجَّةُ الذين لا تجوزُ مخالفَتُهم، ولا يجوزُ على مثلِهم الغلَطُ في مثلِ هذا، إلى ما رُويَ عن النبيِّ -ﷺ- مِن أخبارِ الآحادِ (٢) الثِّقاتِ العُدُول؛ فمِنها ما ذكرنا، ومنها: قولُه -ﷺ-: "إنِّي مكاثرٌ بكم الأُمم، حتى بالسِّقطِ يَظَلُّ مُحْبَنْطِئًا يقالُ له: ادخُلِ الجنَّة، فيقول: لا، حتى يدخُلَها أبوايَ، فيُقالُ له: ادخُلْ أنت وأبَواكَ" (٣).

(١) وهم الجهميّة: أصحاب جَهْم بن صفوان، القائلون بأنه لا قُدْرة للعبد أصلًا، وأنّ الله تعالى لا يعلم الشيءَ قبل وُقوعِه، وأنّ علمَه تعالى حادثٌ لا في محلّ، ولا يتَّصف بما يُوصَف به غيره كالعلم والقدرة، تعالى الله عمّا يقولون، وقالوا بفناء الجنّة والنار، ووافَقوا المعتزلة في نفي الرُّؤية وخَلْقِ الكلام، وإيجاب المعرفة بالعقل. (ينظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٨٦، والمواقف لأبي الفضل الأيجي ٣/ ٧١٢).

(٢) في د ١: "الأحاديث".

(٣) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٢٥٣، وابن حبان في المجروحين (٦٨٧)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٤١٦ (١٠٠٤)، وتمّام في فوائده (١٤٦٣)، وفي إسناده عند العقيلي عليّ بن نافع، قال عنه العقيلي: حديثه غير محفوظ، وقال الذهبي في المغني في الضعفاء ٢/ ٤٥٦ (٤٣٤٩): "عليّ بن نافع بن بهز بن حكيم، لا يُعرف والحديث منكر".

وفي الإسناد عند الآخرين عليّ بن الرَّبيع، قال ابن حبان: عليٌّ هذا يروي المناكير. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/ ١٥٩: ما حدَّث عنه سوى يحيى بن درست.

ووقع عند بعضهم بعد قوله: "مُحْبَنْطئًا": "على باب الجنة" وعند البعض الآخر: "على باب الجنّة". =

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار · الجزء ٤ · الصفحة ٣١١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشارج ٤ · ص ٣١١