تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المذهب- ماهو أكثر من ذلك فقال (وإن تحاكم شخصان إلى رجل للقضاء بينهما فحكم نفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان وغيرها حتى مع وجود قاض) (1)

فيظهر ممّا سبق أن لا خلاف يُعتبر في مشروعية التحكيم وجوازه، وقد استدل أهل العلم بأدلة ٍ كثيرة ٍ على هذا الجواز، كقوله تعالى (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) (2)، وكتحكيم النبيّ صلى الله عليه وسلّم لسعدٍ رضي الله عنه في حادثة بني قريظة، وكذلك التحكيم الذي وقع بين الإمام عليّ ومعاوية رضي الله عنهما، و ليس هذا مقام بسط هذه الأدلة.

كما ويلاحظ من تاريخ وفاة العلماء الأجلّاء الذين أُخذَت من كتبهم النّقول السابقة أنّ الفقه الذي ذهبوا إليه كان في زمان ومكان الخلافة الإسلامية أو-على الأقل- في ظل حكوماتٍ تأخذ على عاتقها الحكم بالشّرع وحمل الناس على الالتزام به، فالقضاء الشرعيّ كان منصوباً كي لا يسمح لأحدٍ أن يفتات على السلطان أوينتقص من سيادته، ومن حكّم أو احتكم خارج نطاق القضاء الرّسمي فقد فعل ذلك بإذن السلطان ورضاه، فيستساغ القول- والحالة هذه- أن التحكيم خارج دائرة نظام القضاء الرّسميّ مباحٌ شرعاً وليس واجباً.

المطلب الثالث: اللجوء للتحكيم مع عدم وجود القضاء الشرعي

القول بإباحة التحكيم في المطلب السابق حكم ٌ له مناط، ومناطه هو وجود القضاء الشّرعي الرّسميّ الذي تتبنّاه الدولة وتشرف عليه، فما دام القضاء الشّرعيّ منصوباً فإن من يلجأ من الخصوم للقضاء أويلجأ لمحكّم يحكُم ُبشرع الله فقد احتكم إلى الشرع وبرأت ذمّته بذلك. ولكن ما الحكم إذا لم يكن هناك قضاء ٌ شرعيّ؟

إن إجابة هذا السؤال هو ما يجب أن يستفيض به البيان للمسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام ممّن ليس لهم إلا خياران: القضاء غير الإسلاميّ أو التحكيم الإسلامي، بل حتّى للمسلمين المقيمين في العالم الإسلامي وتحكمهم أنظمة ً علمانيّة لا تقيم للشريعة وزناً، فإن هؤلاء ينطبق عليهم ما ينطبق على سابقيهم من عدم وجود قضاءٍ إسلاميّ يحتكمون إليه.

(1) 36 كشاف القناع عن متن الإقناع، ج 6 ص 308، اسم المؤلف: منصور بن يونس بن إدريس البهوتي الوفاة: 1051، دار النشر: دار الفكر - بيروت - 1402، تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى هلال

(2) سبق بيان قول السرخسي من الأحناف أن هذه الآية أصلٌ في مشروعية التحكيم.

التحكيم في الشريعة الإسلامية · الصفحة ١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التحكيم في الشريعة الإسلاميةص ١٣