تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الثاني: مشروعيّة التحكيم

يقصد بالمشروعية هنا الحكم التكليفيّ الذي يعرّفه الأصوليون بأنه ما اقتضى طلب فعل ٍ من المكلّف أو كفّه عن فعلٍ أو تخييره بين الفعل والكفّ، وهو الذي سمّاه القرافي خطاب التكليف بقوله (خطاب التكليف في اصطلاح العلماء هو الأحكام الخمسة: الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة) (1)

والحديث عن مشروعية التحكيم هو فرعٌ عن أصلٍ وهو مكانة الحكم بالشريعة الإسلامية من الدّين ابتداءً، ويتبع ذلك بيان حكم اللجوء للفرع وهو التحكيم مع وجود الأصل وهو القضاء الإسلاميّ ومع عدم وجوده كما هو حال الجاليات المسلمة في هذه البلاد وخارج ديار الإسلام عموماً، وحكم رفض أحد الخصوم لمبدأ التحكيم أوالمرشّح للتحكيم، وإرغام الخصم على المثول أمام القضاء غير الإسلامي، ثم حكم اللجوء للقضاء غير الإسلامي إذا تعيّن سبيلاً وحيداً للعدل وردّ المظالم. وفيما يلي بيان ذلك موجزاً:

المطلب الأول: الحكم بالشريعة الإسلامية

الإسلام نظامٌ إلهي يُصلِح للبشر دينهم ودنياهم وآخرتهم، فيه أحكامٌ للعبادات والمعاملات والعقوبات والأحوال الشخصية والعلاقات الدولية. ولا يُعدّ المرء مسلماً إلا إذا استسلم لله بالتوحيد وأقرّ له بالحاكميّة- عزّ وجل- وانقاد له بالطاعة في كل شأن ٍ من شؤون حياته، وما سوى ذلك فليس من الإسلام في شيءٍ حتى وإن زعم المرء أنّه مسلم. ويستوي في ذلك الحاكم والمحكوم، فيُطلب من الحاكم أن يحكُم بشرع الله في كل شأنه لا يجاوزه قيد أنملةٍ، ويُطلب من المحكوم أن يحتكم إلى الشرع بقبولٍ وتسليمٍ.

قال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليماً) (2).

قال الجصّاص في شرح الآية الكريمة (وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم) (3).

(1) الفروق مع هوامشه ج 1 ص 292، مرجع سابق

(2) سورة النساء، آية 65

(3) 23 أحكام القرآن، ج 3 ص 181، اسم المؤلف: أحمد بن علي الرازي الجصاص أبو بكر الوفاة: 370، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1405، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي

التحكيم في الشريعة الإسلامية · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التحكيم في الشريعة الإسلاميةص ١٠