القول الثالث: أنها محكمة، وتكون الوصية للوالدين والأقربين واجبة، ويجمع للوارث بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.
القول الرابع: أنها محكمة، ولكنها وصية بالميراث المقدر، والمعنى: كتب عليكم ما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين ([5]).
الراجح الذي يؤيده السياق القول الثاني، وهو أنها منسوخة بآيات المواريث، ولكن يبقى وجوب الوصية عاما لمن عليه حقوق أو ديون، والندب والاستحباب فيها عاماً لغير الورثة، إعمالاً للآية والأحاديث.
ودلالة السياق على ذلك ظاهرة من وجوه:
أولاً: أن سياق الآية في بيان الحقوق الواجبة قبل الموت، وقد بينت آيات النساء حقوق الوراثة، فتكون الآية منسوخة في حق الوراثة، ويبقى الوجوب في الحقوق الواجبة غير الميراث، ويبقى الوصية لغير الورثة وهي بين الوجوب والاستحباب، والاستحباب أقرب؛ إذ لا دليل من عمل النبي × والصحابة على وجوب الوصية لغير الورثة.
قال ابن عطية: "قال ابن عمر وابن عباس وابن زيد: الآية كلها منسوخة وبقيت الوصية ندباً" ([6]).
وقال شيخ الإسلام: "والوصية للوالدين و الأقربين منسوخة بآية المواريث كما اتفق على ذلك السلف" ([7]).
ثانياً: أن الآية مجملة في تعيين حق الوالدين والأقربين، وآيات المواريث في النساء مفصلة، فتكون آيات المواريث تفسيراً لهذه الآية.
ثالثاً: أن قوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيه دلالة على النسخ من جهة أنه جعل فرض التقدير إلى الموصي، ولما أنه قد يقع من الموصي إجحاف أو ميل أو قصد مضارة كما تدل عليه الآية التي بعدها، تولى الله تعالى بيان ذلك الحق ببيان مقادير الميراث على وجه تيقن به أنه الصواب، وأن فيه الحكمة البالغة، والمراعاة الكاملة لأولى الناس فيها، وحدها بمقادير لا يمكن تغييرها مراعاة للضعفاء الذين كان من عادة أهل الجاهلية تركهم أو الإجحاف في حقهم. فتحول الحكم من جهة الإيصاء الذي هو بيد الموصي إلى الميراث الذي قدره الله تعالى عدلاً ورحمة.
قال الرازي: "لما نزلت آية المواريث .. بيّن أن ما تقدم كان واصلاً إليهم بعطية الموصي، فأما الآن فالله تعالى قدّر لكل ذي حق حقه، وأن عطية الله أولى من عطية الموصي" ([8]).
فعليه يكون حكم الآية في الفرضية منقولا للمواريث، ويبقى حكم فرضيتها ووجوبها في إنفاذها وتقديمها مطلقاً. كما تدل عليه الآيات بعدها ويدل عليه قوله تعالى: في آيات المواريث ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء11] وكل ذلك دال بمفهومه على استحبابها لغير الورثة.
وأما كون الوصية ندباً فيما سوى ذلك فظاهر من وجوه:
أولاً: أن بقاء التلاوة ونسخ الحكم دال على رفع الفرض وبقاء الندب؛ إذ لا بد من فائدة من بقاء التلاوة.
ثانياُ: يدل عليه الوصية بذوي القربى وتقديمهم في آية البر وغيرها من الآيات.
ثالثاً: أن القول بوجوب الوصية لغير الورثة من الأقرباء رغم دلالة الآية عليه إلا أنه لم يكن من عمل النبي × والصحابة، وهو خلاف قول الجمهور.
قال الألوسي: "إن الوجوب صار منسوخاً في حق الكافة، وهي مستحبة في حق الذين لا يرثون، وإليه ذهب الأكثرون" ([9]).
رابعاً: قوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فخص المتقين، ولو كانت عامة لقال المؤمنين. وإن كان هذا له تخريج ظاهر ([10]).
المثال الثاني: في تقرير السياق لعدم وقوع النسخ في الآية.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة 240]. فهذه الآية من الآيات التي أشكلت على كثير من المفسرين، وقد اختلفوا في حكمها والعمل بها على قولين: