تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال السرخسي: "القرينة التي تقترن باللفظ من المتكلم، وتكون فرقاً فيما بين النص والظاهر هي السياق، بمعنى الغرض الذي سيق لأجله الكلام" ([3]).

وقد تركزت دراستي لسياق سورة البقرة على هذا الباب، فتقرر لدي بما لا مجال للشك فيه أن عمدة السياق هو الغرض، وأن كل آية واردة لغرض معين، ولعل هذا هو سر الفصل بين الآيات وتقطيعها.

ومن أمثلة ذلك ماجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة 9] قال الغزالي في بيان غرض الآية وما بني عليه من المعنى والحكم في الآية: "الآية إنما نزلت وسيقت لمقصد وهو بيان الجمعة، وما نزلت الآية لبيان أحكام البياعات، ما يحل منها وما يحرم، فالتعرض للبيع لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام يخبط الكلام ويخرجه عن مقصوده، ويصرفه إلى ما ليس مقصوداً به، وإنما يحسن التعرض للبيع إذا كان متعلقاً بالمقصود .. " ([4]).

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) ((أعلام الموقعين)) (1/ 219).

([2]) ((الموافقات)) (3/ 383).

([3]) ((أصول السرخسي)) (1/ 164)، نقلاً عن دلالة السياق لردة الله الطلحي (ص37).

([4]) ((شفاء الغليل)) (ص51).

علم السياق القرآني [11] (االناسخ والمنسوخ وصلته بالسياق).

علم الناسخ والمنسوخ من علوم التفسير المهمة. وله صلة بالسياق.

وقبل أن نبين علاقته بالسياق لابد أن نعرض للمحة موجزة عنه:

فالنسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي. والناسخ هو الحكم الرافع للحكم. والمنسوخ هو الحكم المرتفع ([1]).

ومعرفته من أهم ما يجب على المفسر،

قال الزركشي: "قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ، وقد قال علي بن أبي طالب لقاص: (أتعرف الناسخ والمنسوخ؟) قال: الله أعلم. قال: (هلكت وأهلكت) " ([2]).

وقد عنى العلماء بعلم الناسخ والمنسوخ في القرآن، وألفوا في هذا الفن كتباً مستقلة ([3]).

وللنسخ في القرآن حكم عظيمة: منها ما ذكره مكي بن أبي طالب في بيان علة النسخ في القرآن فقال: "وذلك منه تعالى لما فيه من الصلاح لعباده، فهو يأمرهم بأمر في وقت لما فيه صلاحهم في ذلك الوقت، وقد علم أنه يزيلهم عن ذلك في وقت آخر، لما علم فيه من صلاحهم في ذلك الوقت الثاني .... ولأجل ما أراد الله من النسخ للرفق بعباده والصلاح لهم أنزل القرآن شيئاً بعد شيء، ولم ينزله جملة واحدة؛ لأنه لو نزل جملة واحدة لم يجز أن يكون فيه ناسخ ومنسوخ؛ إذ غير جائز أن يقول في وقت واحد افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا لذلك الشيء بعينه" ([4]).

الصلة بين السياق والناسخ والمنسوخ:

السياق من أهم ما يميز وقوع النسخ في الآية من عدمه، بل هو من أعظم ما يقرر مقصود الآية حتى مع نسخها، فإن بقاء الآية بعد نسخها لابد وأن يكون لغرض مقصود، وتكون دالة على حكم معين بعد النسخ.

وسأوضح ذلك بالأمثلة:

المثال الأول: في تقرير السياق للنسخ في الآية:

في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:180]. الآية صريحة في فرضية الوصية؛ لأن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ صريح في ذلك، وقد اختلف المفسرون في بقاء حكم الآية أو نسخه، على أقوال:

القول الأول: أن الحكم بها كان واجباً، عمل به في وقت، ثم نَسخ منها بآية المواريث الوصية للورثة دون من لا يرث من الوالدين والأقربين.

القول الثاني: أنها منسوخة بآيات المواريث، فلا وصية واجبة لأحد على أحد، ولكن يبقى وجوب الوصية عاما لمن عليه حقوق أو ديون، والندب والاستحباب فيها لغير الورثة، إعمالاً للآية والأحاديث ..

السياق القرآني · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السياق القرآنيص ٢٧