وقال السيوطي: "إن صورة السبب قطعية الدخول في العام، وقد تتنزل الآيات على الأسباب الخاصة، وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامة رعاية لنظم القرآن وحسن السياق" ([11]).
وضرب لذلك مثلاً بقوله تعالى: +وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى" [الليل 17 - 18] فإنها نازلة في أبي بكر الصديق بالإجماع ([12])، ومع كونها فيه ثناء عليه إلا أن الصيغة العامة التي وردت فيها تفيد أن هذا الحكم ليس مقصوراً عليه.
ولهذا فإنه كثيراً ما تكون الآيات نازلة بحال معين أو حدث خاص أو شخص مقصود، إلا أنها تأتي بصيغة العموم فتعم غيره من جهة الوصف؛ لأن القرآن عام في حكمه، إلا أنه يجب اعتبار ما نزلت فيه الآية في بيان المعنى ابتداءً؛ لأنه المحدد للوصف وللغرض من الآية.
قال السعدي: "قاعدة: وتدبر هذه النكتة التي يكثر مرورها بكتاب الله تعالى؛ إذا كان السياق في قصة معينة، أو على شيء معين، وأراد الله أن يحكم على ذلك المعين بحكم لا يختص به، ذكر الحكم وعلقه على الوصف العام، ليكون أعم، وتندرج فيه الصورة التي سيق الكلام لأجلها، ليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعين" ([13]).
وقد بقيت القواعد الخاصة بالسياق، سأفردها في المشاركة القادمة بإذن الله
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) ((البحر المحيط في أصول الفقه)) (6/ 52).ط وزارة الشؤون الإسلامية بالكويت، تحرير د. عبدالستار أبو غدة.
([2]) ((البرهان في علوم القرآن)) (1/ 36).
([3]) ((الإتقان في علوم القرآن)) (1/ 185).
([4]) ((بدائع الفوائد)) (4/ 9).
([5]) ((أثر السياق في النظام النحوي)) (ص94).
([6]) ((إحكام الأحكام)) (2/ 130).
([7]) ((جامع البيان)) (4/ 356).
([8]) انظر: ((القواعد والفوائد الأصولية)) (ص241)، ((مجموع الفتاوى)) (31/ 44).
([9]) ((مجموع الفتاوى)) (13/ 338).
([10]) ((أصول السرخسي)) (1/ 164).
([11]) ((الاتقان)) (1/ 65).
([12]) انظر: ((أسباب النزول للواحدي)) (ص721).
([13]) ((تيسير الكريم الرحمن)) (1/ 682).
القسم الثاني: القواعد المتعلقة بترجيح السياق.
أولاً: أن القول المعتبر في التفسير هو الموافق للسياق.
تقرر أن السياق القرآني أصل معتبر في كلام الله تعالى، وأنه هو الدال على المعنى الصحيح، وعليه فإن القول الذي يتوافق مع السياق هو القول المعتبر والراجح.
وهذه القاعدة من أهم قواعد الترجيح في التفسير.
وقد اعتبر السلف والعلماء هذه القاعدة في تفسيرهم، ومن ذلك:
ما قاله صاحب رسالة دلالة السياق عند ابن جرير في تقرير القواعد المعتبرة عند ابن جرير: "يختار من المعاني ما اتسق وانتظم معه الكلام" ([1])، وأورد لذلك أمثلة من تفسير ابن جرير ([2]).
وقد قرر هذه القاعدة شيخ الإسلام أتم تقرير في معرض رده على نفاة الصفات الذين يؤولون الصفات استدلالاً بنصوص أخرى دل سياقها على معنى آخر، كتأويل إتيانه تعالى بإتيان عذابه استدلالاً بقوله تعالى: +فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا" [الحشر 2] فقال: "لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة، جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أن يضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات كقوله تعالى: +فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ" [الزمر 56] وهذا يقع فيه طوائف من المثبة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط، فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" ([3]).
وقد قرر صاحب قواعد الترجيح عند المفسرين هذه القاعدة بقوله: "قاعدة: القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجح على ما خالفه". وأورد الأمثلة والأقوال الدالة عليها ([4]).
ثانياً: بجب حمل كلام الله على المعاني والأوجه اللائقة بالسياق والموافقة لأسلوب القرآن.