وقال السيوطي في الإتقان: "على المفسر مراعاة التأليف والغرض الذي سيق له" ([3]).
ثانياً: أن السياق يرشد إلى المسلك الصحيح الذي يوصل إلى فهم مراد الله تعالى في كلامه.
وهذه القاعدة من أهم القواعد المتعلقة بالسياق، وهي تبين منزلة السياق في الوصول للمعنى الصحيح الذي هو مراد الله تعالى في كلامه، وذلك لأن السياق هو الذي يجعل الكلام متناسقاً منتظماً، وهذا هو المتوافق مع كتاب الله المحكم المعجز الذي انتظمت سوره وآياته وجمله. وتفسير كلام الله على وجه يراعي انتظامه أعظم مسلك في تفسيره، وأدعى إلى الوصول لمراد الله فيه، وبضد ذلك فإن الإعراض عن السياق يجعل الكلام متنافراً منقطعة أجزاؤه مما يجعل كلام الله متنافراً، وهو الذي يوقع في الخطأ في التفسير.
قال ابن القيم رحمه الله: "السياق يرشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته" ([4]).
ثالثاً: أن تعيين السياق مبني على الاجتهاد والعلم بأصوله وقواعده.
السياق - كما تقرر - ثابت أصلاً في كلام الله تعالى، لكن تعيينه يختلف بحسب فهم المفسر له وقدرته على الوصول إليه بقرائن السياق المعتبرة وأركانه، فالبحث عن السياق هو بحث عن قرينة، والقرينة موجودة علمها من علمها وجهلها من جهلها ([5])، ولذا تجد الاختلاف بين المفسرين على تعيين السياق في الآية الواحدة.
وهذه القاعدة مهمة تبين لنا أنه لا يجب اعتبار السياق وتعيينه إلا بدليل ظاهر، كأن يكون السياق ظاهراً في الآية كقوله تعالى: +وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ" [الطارق 1 - 3] فالسياق هنا ظاهر متعين في بيان المراد بالطارق وأنه النجم الثاقب.
قال ابن دقيق العيد: "ودلالة السياق لا يقام عليها دليل، وذلك لو فهم المقصود من الكلام، وطولب بالدليل عليه لعسر فالناظر يرجع إلى ذوقه" ([6]).
رابعاً: لا يجوز صرف الكلام عن سياقه إلا بحجة يجب التسليم لها.
صرف الكلام عن سياقه الذي ورد لأجله لا يجوز، لكونه مخالفاً لمراد المتكلم، إلا أن يرد دليل صحيح يدل على صرف الكلام عما دل عليه السياق، كأن يثبت في الآية نسخ.
وقد قرر هذه القاعدة ابن جرير واعتمد عليها في تفسيره، فقال في تقريرها: "فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول × تقوم به حجة، فأما الدعاوى، فلا تتعذر على أحد" ([7]).
خامساً: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ([8]) ..
هذه القاعدة الأصولية تعتبر قاعدة في السياق من جهة أنه لا عبرة بخصوص السياق الذي نزلت فيه الآية، وإنما العبرة بسياقها العام وهو ما دل عليه غرضها وحكمها العام، ولهذا جاءت ألفاظ القرآن عامة.
قال شيخ الإسلام: "والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنما تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه" ([9]).
فإذا كانت الآية نازلة في سبب معين فإن هذا يبين المعنى المراد لكنه لا يعني بحال قصر الحكم في الآية على خصوص سببها.
فخصوص السبب عمدة في فهم المعنى، وعموم اللفظ عمدة في حكم الآية، إلا أن ما نزلت الآية بخصوصه قطعية الدخول في معنى الآية إذ هي الأصل فيها، لكن الآية تشمل غيره من جهة القياس على وصفه.
قال السرخسي: "وقال بعضهم: النص يكون مختصاً بالسبب الذي كان السياق له، فلا يثبت به ماهو موجب الظاهر، وليس كذلك عندنا، فإن العبرة لعموم الخطاب لا لخصوص السبب، فيكون النص ظاهراً لصيغة الخطاب، نصاً باعتبار القرينة التي كان السياق لأجلها" ([10]).