تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه القاعدة تعني أنه يجب حمل كلام الله تعالى على المعاني والأوجه اللغوية والإعرابية والبلاغية اللائقة بسياق الآية والموافقة لأسلوب القرآن، دون الأوجه القاصرة عنه، وليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه ([5])، إذ القرآن هو أعظم الكلام، فلا بد من حمله على أكمل الوجوه وأعظمها، ولا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي والإعرابي ([6]).

قال العز بن عبد السلام: "وعلى الجملة فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني، وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك" ([7]).

ثالثاً: كل تفسير خارج عن دلالات الألفاظ والسياق باطل مردود.

هذه القاعدة نتيجة للقاعدة التي قبلها، فإذا ورد تفسير خرج بمعاني كتاب الله تعالى عما تدل عليه ألفاظه وسياقه ولم يدلّ اللفظ على هذا المعنى بأي نوع من الدلالة: مطابقة، أو تضمناً أو التزاماً، أو مفهوماً، أو موافقاً، أو مفهوماً مخالفاً، فهو مردود ([8]).

وهذه القاعدة متقررة عن سلف الأمة وعلمائها.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن هذا القرآن كلام الله عز وجل فضعوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم) ([9]).

قال السيوطي بعد ما أورد تفسير ابن عباس: "ففيه الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ، كما يفعله الباطنية، والاتحادية، والملاحدة، وغلاة المتصوفة" ([10]).

وقال شيخ الإسلام في كلام فصل في هذه القاعدة: "وأما النوع الثاني من سببي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ... والقائلون بالجهتين المتقدم ذكرهما قسمان:

أحدهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها

والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به.

فالأولون: راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيراً ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيراً ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط بذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.

والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلاً فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقاً فيكون خطؤهم فيه في الدليل لا في المدلول. فالذين أخطئوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم: تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه ... " ([11]).

رابعاً: حمل كلام الله على الغالب من عرفه ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك ([12]).

وعرف القرآن ومعهود استعماله مما يتضمنه السياق من جهة أن القرآن وارد على أسلوب منتظم مؤتلف، ومن جهة أن ذلك داخل في السياق القرآني، فالأولى أن يرجح القول الذي يوافق عادة القرآن ومعهود استعماله وسياقه العام، إلا أن يدل دليل من سياق الآية أو دليل آخر على معنى آخر مستقل.

قال شيخ الإسلام: "إذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطرد في معنى، لم يجز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء" ([13]).

السياق القرآني · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

السياق القرآنيص ١٤