تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك كان صوم الوصال وهو صوم يومين أو أكثر سرداً بدون فطر، محرم لما فيه من الإضرار بالإنسان، فكان من رحمة الله لعباده أن شرع لهم الفطر حين التحقق من الغروب، بعد الإمساك حين التحقق من طلوع الفجر الصادق، وذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد سبقت الأحاديث في فضل التعجل بالإفطار في سنن الصوم فلتراجع.

اختلف العلماء في مسألة صوم الوصال على ثلاثة أقوال:

القول الأول:

أنه جائز لمن قدر عليه، وهو مروي عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف وكان ابن الزبير يواصل الأيام حتى قيل أنه كان يواصل سبعة أيام، ومن حجة أرباب هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل بالصحابة مع نهيه لهم عن الوصال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: " أنه نهى عن الوصال " وقال: " إني لست كهيئتكم " فلما أبوا أن ينتهوا، واصل بهم يوماً ثم يوماً، فهذا وصاله بهم بعد نهيه عن الوصال، ولو كان النهي للتحريم لما أبوا أن ينتهوا، ولما أقرهم عليه بعد ذلك، قالوا: فلما فعلوه بعد نهيه وهو يعلم ويقرهم، علم أنه أراد الرحمة بهم والتخفيف عنهم، وقد قالت عائشة: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمه لهم " [متفق عليه].

لكن يُعكر على أصحاب هذا القول، أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل بهم زجراً وتأديباً لهم حتى يشعروا بالملل والتعب فيتركوا ذلك، وهذا ما دل عليه حديث أبي هريرة السابق. فقال: " فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا " [متفق عليه]، وقال عليه الصلاة والسلام: " ما بال رجال يواصلون، إنكم لستم مثلي، أما والله لو تمادَّ لي الشهر لواصلت بكم وصالاً يدع المتعمِّقون تعمقهم " [أخرجه مسلم]، والمتعمقون: المتشددون في الأمور، المجاوزون الحدود في قول أو فعل.

قال ابن حزم رحمه الله:

بعد ذكره لمن كان يواصل من السلف من الصحابة وغيرهم، لا حجة في أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا صاحب ولا غيره. [المحلى 4/ 444].

القول الثاني:

لا يجوز الوصال، وممن قال ذلك الأئمة: مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري رحمهم الله.

قال ابن عبد البر: إنهم لم يجيزوه لأحد. يعني لم يجيزوا صوم الوصال لأحد، لحرمته ولما يترتب عليه من المفاسد العظيمة.

واختلف أصحاب الشافعي في المنع: هل هو للكراهة أم للتحريم؟ على وجهين، قال ابن الملقن: وأصحهما عندهم منع تحريم. لأنه لا معنى للنهي إلا مع التحريم [الإعلام 5/ 326].

واحتج المانعون ـ المحرِّمون ـ للوصال بنهي النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: والنهي يقتضي التحريم. قالوا: وقول عائشة: " رحمه لهم " لا يمنع أن يكون للتحريم، بل يؤكده فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم، بل سائر مناهيه للأمة، رحمة وحمية وصيانة. قالوا: وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريراً لهم، كيف وقد نهاهم، ولكن تقريعاً وتنكيلاً، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه، لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم، وبيان الحكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة التي نهاهم لأجلهم، فإذا ظهرت لهم مفسدة الوصال، ظهرت حكمة النهي عنه كان ذلك أدعى إلى قبولهم وتركهم له، فإنهم إذا ظهر لهم ما في الوصال وأحسوا منه الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم وأرجح من وظائف الدين من القوة في أمر الله، والخشوع في فرائضه، والإيتان بحقوقها الظاهرة والباطنة، والجوع الشديد ينافي ذلك، ويحول بين العبد وبينه، تبين لهم حكمة النهي عن الوصال، والمفسدة التي فيه لهم دونه صلى الله عليه وسلم.

قالوا: وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظم من إقرار الأعرابي على اليول في المسجد، لمصلحة التأليف، ولئلا ينفر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم صلى الله عليه وسلم أنها ليست بصلاة، وأن فاعلها غير مصل، بل هي صلاة باطلة في دينه فأقره عليها لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ، فإنه أبلغ في التعليم والتعلم، قالوا: وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه لم استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " [متفق عليه].

قالوا وقد ذكر في الحديث ما يدل على أن الوصال من خصائصه فقال إني لست كهيئتكم ولو كان مباحاً لهم لم يكن من خصائصه قالوا: وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم "

وفي الصحيحين نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى قالوا فجعله مفطراً حكماً بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر وذلك يحيل الوصال شرعاً.

قالوا: وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا تزال أمتي على الفطرة، أو لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر " [متفق عليه].

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ٩٣