تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففضل الصيام عظيم ومنزلته عالية ينبغي للمسلم أن يحافظ على هذه العبادة والشعيرة العظيمة القدر والرفعة عند الله تعالى، لكن متى تلبس الإنسان بصيام النافلة والتطوع ثم بدا له الفطر فله ذلك لأنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر " [رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد]. وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: " هل عندكم شيء؟ " فقلت: لا قال " فإني إذاً صائم " ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حبيس فقال " أرينيه، فلقد أصبحت صائماً " فأكل. [رواه مسلم]. وعلى ذلك فيجوز للصائم المتطوع أن يفطر ولو بغير عذر، ولا قضاء عليه إلاّ أن يحب هو أن يقضي ما أفطره.

وسائر العبادات حكمها حكم الصوم في النوافل في أنها لا تلزم بالشروع فيها على الراجح ولا يجب قضاؤها إذا أبطلها المتلبس بها عند جمهور العلماء إلاّ للحج والعمرة فإنهما يخالفان في هذا سائر العبادات.

9_ الإكراه:

الإكراه: حمل الإنسان غيره على فعل أو ترك ما لا يرضاه بالوعيد والتهديد.

والإكراه نوعان:

النوع الأول: إكراه بتهديد:

كمن أكره على الفطر وإلاّ قتل أو قطع عضو من أعضائه أو حصل لأهله وماله أذىً.

النوع الثاني: إكراه برغبة:

كمن أفطر لإنقاذ غريق أو حريق أو كمن أكل أو شرب ليتبرع بدمه لمصاب أو ما شابه ذلك. فالإكراه بالوعيد يوجب على صاحبه الفطر امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾. فمن أفطر تحت التهديد والتخويف أفطر ولا يلزمه القضاء، لقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل 106]. وقوله صلى الله عليه وسلم: " عُفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".

فإذا كان الله تعالى قد رفع حكم الكفر عمن اكره عليه، فما دون الكفر أولى، فعلى ذلك من أكره على الفطر تحت التهديد والتخويف والوعيد فله الفطر ولا قضاء عليه، وإن قضى فهو أحسن وأفضل وزيادة في الأجر وخروجاً من خلاف العلماء وبراءة للذمة.

أما من أفطر باختياره لإنقاذ غيره فعليه القضاء، وهذا لا شك فيه وهذه المسألة كالحامل والمرضع إذا خافتا على جنينهما وولدهما فلهما الفطر وعليهما القضاء مع الحلاف في الكفارة أي الفدية.

فكذلك من أفطر مكرها برغبة منه لإنقاذ غيره أفطر وقضى والحمد لله.

10_ صوم الوصال:

أفردت صوم الوصال في نقطة خاصة بعيداً عن أنواع الصيام، لأنه يأخذ منحىً خاصاً به، فمن العلماء من كرهه، ومنهم من استحبه، ومنهم من حرمه، ومنهم من أجازه، وقبل أن أذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، أورد بعض ما جاء في الوصال من الأحاديث الصحاح، فعن أنس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تواصلوا " قالوا: إنك تواصل، قال: " لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى، أو إني أبيت أطعم وأسقى "، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل: قال: " إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى "، وعن أبي سعيد رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر " قالوا: فإنك تواصل يارسول الله، قال: " إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقين "، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: " إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقين " [أخرجها البخاري في صحيحة، وانظر الفتح 4/ 257 وما بعدها]. فالمقصود بالوصال: سرد يومين أو أكثر بصيام بدون أكل أو شرب، وهذا هو الوصال المنهي عنه، فهو محرم لما فيه من الضرر الواقع بالجسد، وبالنفس، وبالأهل، وبالعمل، فكلما ابتعد الإنسان عن الأكل والشرب أياماً، أصابه الضعف في جسده، والخوار في قواه، فلا يستطيع القيام بما كان يقوم به من الأعمال قبل ذلك، وأيضاً سينشغل عن أهله بالخمول والتعب، وكذلك مفاسد عظيمة، جاء الشارع الكريم بمنعها، فأرشد نبي الهدى صلى الله عليه وسلم أمته لأفضل الأعمال، وأفضل أنواع الصيام، فأفضل أنواع الصيام، صيام داود عليه السلام، وهو صيام يوم وإفطار يوم، وأفضل أوقات الفطر عند التحقق من غروب الشمس، فلا يزيد المسلم على ذلك، بل يفطر وقت تحققه من الغروب، أما أن ينتظر حتى يغيب الشفق فليس هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو من سنن الشيعة الرافضة وأمثالهم من اليهود والنصارى. ونحن مأمورون بمخالفة أهل الكفر والبدع والضلال والشرك.

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ٩٢