قال: ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾، إلى قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليضمه﴾.
قال: فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر.
وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام. . . " [رواه الإمام أحمد وغيره، قال البنا: الحديث مرسل صحيح الإسناد، وحيث قد تعددت طرقه فهو حجة 9/ 244].
وقال تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة 184].
قال الحسن وإبراهيم: " وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر عاماً أو عامين كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر ".
وقال ابن عباس: الآية ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً. [فتح الباري].
قال البنا: وقد أجمعت الأمة على أن المشايخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة أن يفطروا، واختلف العلماء فيما عليهم إلى قولين:
القول الأول:
لا شيء عليهم وهو قول مالك وربيعة، إلاّ أن مالكاً قال: لو أطعموا عن كل يوم مسكيناً كان أحب إليً. ولا شك أن هذا القول ضعيف معارض بأدلة أهل الرأي الآخر.
القول الثاني:
عليهم الإطعام _ الفدية _ وهو قول أنس وابن عباس وقيس بن السائب وأبو هريرة والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق إتباعاً لقول الصحابة رضي الله عنهم، وقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أُخر﴾، ثم قال: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ وهؤلاء ليسوا بمرضى ولا مسافرين فوجبت عليهم الفدية. [بلوغ الأماني 10/ 124].
ولا ريب أن هناك فرق بين الشيخوخة وشدة المشقة في الصوم للكبير، وأن يُرد الإنسان إلى أرذل العمر، فالأول: عقله ثابت يستطيع أن يعدل من الصيام لإلى الإطعام للكبر والمشقة التي لا تمكنه من الصيام وهذه علة مستديمة، لأته لا يمكن للكبير أن يعود صغيراً هذه حكمة الله تعالى في خلقه.
والثاني: قد اختلط عقله وخرف فلا يكلف بأي عبادة فهو قد رفع عنه القلم، فلم يعد مخاطباً بالأوامر، فلا يُطلب منه صيام ولا غيره، ولا يُطلب بالعدول إلى غير الصيام لأن عقله لم يعد ثابتاً، وهنا ظهر الفرق جلياً واضحاً بين الأمرين. [ذكر ابن عبد البر نحواً من هذه الأقوال لكنه رجح قول الإمام مالك ومن وافقه بحجج مرجوحة غير راجحة، وانظر لمزيد الفائدة الاستذكار 3/ 359 _ 364].
قال الشوكاني " فالأولى ما روي عن سلمة بن الأكوع وابن عمر أن الناسخ قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وإلى النسخ في حق غير الكبير ممن يطيق الصيام ذهب الجمهور " [نيل الأوطار 4/ 237].
الراجح:
والقول الراجح في ذلك:
أن كبير السن الذي لا يقوى على الصوم وعقله ثابت فله الفطر في رمضان بلا إثم وعليه الإطعام ومقدار الإطعام نصف صاع من قوت البلد _ حوالي كيلو ونصف _ ولو صام الكبير صح صومه لثبوت عقله وهو محل مناط التكليف.
أما إن كان مخرفاً هرماً لا يدرك مطلقاً فهذا ليس بمكلف فلا يجب عليه الصوم ولا القضاء ولا الإطعام لفقد الأهلية، ولاختلال الشعور فهو يعد ممن رفع عنهم القلم في قوله صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاثة " [رواه أحمد وأبو داود وقد تقدم]
فمن اختل شعوره بأي نوع من الأمراض فهو في حكم المجنون لا تكليف عليه، ولو شفي بعد ذلك، وانضبط فلا يلزمه القضاء لرفع التكاليف الشرعية عنه حال فقده الشعور.
وقد نقل الإجماع على ذلك الوزير ابن هبيرة حيث قال: " .. وأجمعوا على أن الشيخ والشيخة إذا عجزا وضعفا عن الصوم، وكانا فانيين أفطرا، وأطعما عن كل يوم مسكيناً عن كل واحد منهما، إلاّ مالكاً، فإنه قال: لا تجب عليهما فدية " [الإفصاح 3/ 137].
والراجح ما ذكرته آنفاً والعلم عند الله تعالى.
خلاصة القول في الكبير:
1 - العجوز والشيخ الفاني الذي فنيت قوته وأصبح كل يوم في نقص إلى أن يموت لا يلزمهما الصوم ولهما أن يفطرا مادام الصيام يُجهدهما ويشق عليهما، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول في قوله تعالى: (وعلى الذين يُطيقونه فدية طعام مسكين): ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا. البخاري كتاب التفسير باب أياما معدودات ..
وأما من سقط تمييزه وبلغ حدّ الخَرَف فلا يجب عليه ولا على أهله شيء لسقوط التكليف، فإن كان يميز أحيانا ويهذي أحيانا وجب عليه الصوم حال تمييزه ولم يجب حال هذيانه أنظر مجالس شهر رمضان: ابن عثيمين: ص 28.
2 - من قاتل عدوا أو أحاط العدو ببلده والصوم يُضعفه عن القتال ساغ له الفطر ولو بدون سفر، وكذلك لو احتاج للفطر قبل القتال أفطر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قبل القتال: " إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطِروا " رواه مسلم 1120ط. عبد الباقي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وأفتى به أهل الشام وهم في البلد لما نزل بهم التتار.