3 - من كان سبب فطره ظاهرا كالمريض فلا بأس أن يفطر ظاهرا، ومن كان سبب فطره خفيا كالحائض فالأولى أن يُفطر خفية خشية التهمة.
5_ المريض:
لقد أباح الله للمريض الفطر في رمضان نظراً للمشقة التي قد تلحق بالمريض أثناء الصوم ولهذا قال تعالى: ﴿فمن كان مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أُخر﴾.
وهذه المنة الكريمة من الله تعالى، منحة ربانية وهدية عظيمة، ورخصةٌ كريمة، وهبها سبحانه لأهل الأعذار ومنهم المريض، فلله الحمد من قبل ومن بعد.
وليس كل مرض يبيح الفطر في رمضان، فهناك أمراض لا تستدعي حتى الذهاب إلى الطبيب بل ولا يحتاج صاحبها التفكير بها، فلهذا ليس كل مرض يتوجب الفطر في الصوم، وسأوضح ذلك في سياق الكلام عن المرض وحكم الصيام حال المرض.
المرض: هو كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة.
فمن كان مريضاً يشق عليه الصيام، أو خشي زيادة المرض حال الصوم، أو خاف تأخر البرء بتجربة أو غلبة ظن أو بإخبار طبيب ماهر مسلماً كان أو غير مسلم، فقد أجمع العلماء على إباحة الفطر له، وكذلك الإنسان الصحيح الذي إذا صام خاف الضرر على نفسه، ولكن يبني ذلك الخوف على تجربة مر بها أي أنه كلما صام مرض، أو بغلبة الظن عند بعض العلماء، والصحيح عندي أن غلبة الظن لا يعول عليها ما لم يجرب الإنسان الصيام ثم يرى بعد ذلك ما يحصل من مرض أو عدمه، وكذلك يُباح الفطر للإنسان السليم إذا أُخبر من طبيب أن الصوم يضره وهذه النقطة ضعيفة عندي، لأنها ذريعة للتساهل في الصيام وعدم الاحتياط، والصحيح أن الإنسان السليم إذا خاف على نفسه الضرر بالصوم إثر تجربة صحيحة مع الصيام فله الفطر أثناء الصوم.
فعلى المريض أن يخوض تجربة الصوم ولو لمدة يسيرة ليرى مدى قدرته على تحمل الصيام من عدمها، ولو لساعات فإن كان أثناء الصيام لم يجد شدة في المرض ولا تأخراً في البرء فعليه أن يُتم صومه، وإلاّ فله الفطر، لأنها رخصة من الله تعالى للمريض.
وهذه أقوال العلماء والمذاهب في المرض حال الصوم:
قال الأحناف:
إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر وإن خافه بمجرد الوهم فليس له الفطر.
وقال المالكية:
إذا خاف حصول أصل المرض بصومه، فإنه لا يجوز له الفطر _ على المشهور من المذهب _ إذ لعله لا ينزل به المرض إذا صام، وقيل: يجوز له الفطر.
وقالوا أيضاً: فإن خاف كل من المريض والصحيح الهلاك على نفسه بصومه وجب الفطر.
وكذا لو خاف أذىً شديداً، كتعطيل منفعة من سمع أو بصر أو غيرهما، لأن حفظ النفس والمنافع واجب، وهذا بخلاف الجهد الشديد فإنه يبح الفطر للصحيح إذا بلغ الجهد الشديد.
وقال الشافعية:
إذا وجد ضرراً شديداً بالصوم فله الفطر، واشترطوا: أنه ينوي الترخص بالفطر.، وفرقوا بين المرض المطبق والمرض المتقطع:
فإن كان المرض مطبقاً فله ترك النية في الليل، وإن كان يحم وينقطع نُظُر: فإن كان محموماً وقت الشروع في الصوم فله ترك النية، وإلاّ فعليه أن ينوي من الليل فإن احتاج إلى الإفطار أفطر.
ومثل ذلك: الحصّاد والبنّاء والحارس، فتجب عليهم النية ليلاً، ثم إن لحقتهم مشقة أفطروا.
قال النووي: شرط إباحة الفطر أن يلحقه مشقة ظاهرة يشق عليه احتمالها، أماّ المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة فلم يجز له الفطر، بلا خوف عندنا خلافاً لأهل الظاهر.
وخوف الضرر هو المعتبر عند الحنابلة، أماّ خوف التلف بسبب الصوم فإنه يجعل الصوم مكروهاً، ولا خلاف في الإجزاء لصدوره من أهله في محله كما لو أتم المسافر.
ولو تحمل المريض الضرر، وصام فقد فعل مكروهاً، لما في ذلك من الإضرار بالنفس وتركه لرخصة الله له بالفطر حال المرض، لكن يصح صومه ويجزئه، لأن الصوم صدر من أهل له، كما لو أتم المسافر، ولو حضر الجمعة من يعذر بتركها.
أحوال المريض مع الصوم:
وعلى ذلك فللمريض حال مرضه مع الصوم أحوال ثلاثة:
الحال الأولى:
ألاّ يتأثر المريض بالصوم فيكون مرضه خفيفاً محتملاً لا يضطر معه إلى أخذ علاج أثناء الصوم بمعنى لو أنه أخر الدواء إلى ما بعد الإفطار فليس في ذلك مضرة من زيادة مرض أو تأخير برء، ففي هذه الحالة لا يحل له أن يفطر، لأنه يستطيع الصوم بدون مشقة تذكر، كمن أصيب بزكام بسيط أو صداع بسيط أو ما شابه ذلك من وجع للضرس وألم سهل في البطن أو اليد أو الرجل.
فغن كان هذا المرض يحتاج معه إلى أخذ الدواء بانتظام وإلاّ تأخر الشفاء أو زاد المرض فله الفطر حينئذٍ إرفاقاً بالمريض.
الحال الثانية:
إذا كان يشق المرض على المريض ولكن لا يحصل له ضرر بصومه حال مرضه، فهذا يكره له الصوم، ويسن له أن يفطر، نظراً للمشقة الحاصلة له بتلك المشقة.
الحال الثالثة:
إذا كان الصوم يضر بالمريض ويشق عليه فهذا يحرم عليه الصوم، ويجب عليه الفطر لن نفسه ليست ملكاً له، فهي لله تعالى وقد امر الله تعالى بحفظ النفس البشرية وحذر من إزهاقها أو إيذائها فقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلاّ التهلكة﴾.