ومن كان فطره وصومه في السفر سواء فالأفضل له الأيسر، فإن صام فحسن وإن أفطر فحسن أيضاً، وإن أخذ برخصة الله تعالى له، وأفطر فهو أفضل وأعظم ثواباً.
ومعنى ذلك أن الفطر أفضل لمن تساوى عنده الصوم والفطر في السفر.
والراجح في المسألتين بإذن الله تعالى أن الأفضل للمسافر الفطر في السفر خروجاً من الخلاف وأخذاً بالرخصة ولقوة الأحاديث الدالة على ذلك، فلم يرد حديث يدل على الأمر بالصوم في السفر، وعلى العكس من ذلك فقد وردت الآية في سورة البقرة وعدة أحاديث صحيحة تدل على الأمر بالفطر في السفر، فعلى ذلك فالأفضل للمسافر الفطر في السفر.
أمّا بالنسبة لصحة صوم من صام في السفر فالراجح في ذلك والله أعلم صحة الصوم جمعاً بين الأدلة ولأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً يدل على تحريم الصوم في السفر بل الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صام وأفطر في السفر.
إذاً فالأفضل للمسافر الفطر، ولو كان السفر عبر وسائل المواصلات الحديثة والمريحة فالأفضل له الفطر عملاً بالأدلة وجمعاً بينها.
فالله سبحانه وتعالى رحيم بعباده عالم بحالهم وخبير بما ينفعهم ويضرهم، ولهذا شرع لهم الفطر في السفر، وقد يقول البعض: ما دام أن الله تعالى قد أنعم على عباده بنعم شتّى ومنها وسائل المواصلات السريعة والمريحة كالطائرات فالأفضل في حق المسافر أن يصوم.
والجواب على ذلك:
أننا قد اخترنا القول بالفطر في السفر هو القول الراجح على ما في ذلك من خلاف بين العلماء، والفطر في السفر رخصة من الله تعالى ولهذا قال تعالى: ﴿فعدةٌ من أيام أُخر﴾، أي أن المسافر يفطر في السفر ويقضي بعد ذلك، ولو مات وعليه دين من صيام رمضان بسبب أخذه بالرخصة فهو معذور معفوٌ عنه بإذن الله تعالى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته " [رواه أحمد وابن خزيمة وقال الأعظمي اسناده حسن 3/ 259، ورواه ابن حبان في صحيحه وقال الأرنؤوط اسناده قوي 8/ 333]. وهو عند ابن حبان: " كما يحب أن تؤتى عزائمه ".
فائدة:
من أراد السفر ونواه فمتى يفطر:
اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول:
قيل له الفطر بعد مفارقة البنيان، وهذا قول الحنابلة لظاهر الآية: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أخر﴾.
فمن لم يخرج لم يكن على سفر، بل على نية السفر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفطر حتى بلغ كراع الغميم. [الحديث عند مسلم. وقد سبق].
القول الثاني:
قيل أن له الفطر بنية وإن لم يخرج وأدلة هذا الرأي ما رواه أبو عبيدة بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غذاءه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب فقلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأكل. [رواه أبو داود وقد سبق].
ونوقش هذا الحديث بأنه لم يجاوز البيوت ببصره أي أنه يراها بعينه، ولكنه فارقها ببدنه.
وروى محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب. [رواه الترمذي وقد تقدم].
ونوقش الحديث: بأن أنس بن مالك قد برز خارج البلد فأتاه محمد بن كعب في منزله ذلك، أي في مكانه الذي جلس فيه ثم دعا بالطعام أي أنه فارق البنيان.
الراجح:
بعد دراسة أقوال العلماء في المسألة، أرى أن الراجح منها: قول الحنابلة وهو أن المسافر لا يأكل حتى يفارق البنيان، لأنه ما دام أنه باقٍ في بلده، فلا يطلق عليه أنه مسافر لأنه قد يؤجل السفر إلى يوم آخر فيكون قد أكل بلا عذر، فالاحتياط أن لا يأكل المسافر حتى يفارق البنيان.
فائدة: من كان صائماً في السفر ثم بدا له أن يفطر فله ذلك، فقد جاء في حديث ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم " [متفق عليه]
ومن كان مسافراً وهو صائم، ثم دخل بلده وهو صائم، فإنه يلزمه إتمام الصوم لانقطاع السفر وانقطاع رخصه برجوعه إلى بلده.
أمّا إن وصل إلى بلده وهو مفطر فلا يلزمه الإمساك بقية اليوم، لأن ذلك اليوم غير محترم في حقه.
خلاصة القول في المسافر:
1 - يُشترط للفطر في السفر: أن يكون سفرا مسافة أو عرفا (على الخلاف المعروف بين أهل العلم)، وأن يُجاوز البلد وما اتصل به من بناء وقد منع الجمهور من الإفطار قبل مغادرة البلد وقالوا إن السفر لم يتحقق بعد بل هو مقيم وشاهد وقد قال تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد. أما إذا كان في البلد فله أحكام الحاضرين ولذلك لا يقصر الصلاة.، وأن لا يكون سفره سفر معصية (عند الجمهور)، وأن لا يكون قصد بسفره التحيّل على الفطر.