وعن محمد بن كعب أنه قال: " أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة، قال: سنة ثم ركب " [رواه الترمذي وصححه الألباني].
القول الثالث:
جواز الأمرين، أي جواز الصوم والفطر في السفر، وأدلة ذلك ما يلي:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " كنّا نغزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فاضطر فإن ذلك حسن " [رواه مسلم والنسائي وأحمد].
وحديث حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: " أفأصوم في السفر، وكان كثير الصيام والسفر، فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " [أخرجه البخاري ومسلم].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " لا تَعِبْ على من صام في السفر ولا على من أفطر، قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر " [رواه مسلم وغيره].
وعن عبدالله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: " خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " [رواه البزار وحسنه البنا في بلوغ الأماني 10/ 108].
حالات المسافر في الصيام:
مما سبق ذكره من الأدلة يتضح لنا أن للمسافر ثلاث حالات في الصوم:
الحالة الأولى:
أن يشق عليه الصوم مشقةً كبيرةً، ويتضرر المسافر بالصوم، فهذا يحرم عليه الصوم في السفر، لحديث جابر في صحيح مسلم، عندما شق الصوم على الناس في السفر، أفطر النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أولئك العُصاة، أولئك العُصاة ".
وقوله عليه الصلاة والسلام: " ليس من البر الصيام في السفر " [متفق عليه].
الحالة الثانية:
أن يشق عليه الصيام مشقةً يسيرةً ومحتملة فهذا يكره له الصوم، لما في ذلك من المشقة وإن كانت يسيرة، ولأنه رغب عن الرخصة التي حظي بها من ربه سبحانه وتعالى، ولما في ذلك من تعذيب للنفس وقد يكون في الصوم في السفر حال المرض والمشقة تعذيب للنفس وقتل لها والله تعالى حذر من ذلك فقال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ [سبق تخريجها].
وقال ابن عمر رضي الله عنهما " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة " [رواه أحمد والطبراني في الكبير وإسناد أحمد حسن. أنظر بلوغ الأماني للبنا 10/ 108].
الحالة الثالثة:
أن يتساوى الصوم والفطر، أي أنه لا مشقة في الصوم في السفر، ففي هذه الحالة اختلف العلماء في الصوم في السفر إلى ثلاثة أقوال، وهي الأقوال التي بينتها فيما سبق.
حكم الصيام في السفر:
سبق بيان خلاف العلماء في أفضلية الصوم في السفر، وهنا نبين حكم من صام في السفر، ولا شك أن المسلم يسعى جاهداً لحفظ صومه مماّ ينقضه، فهو حريص كل الحرص لمعرفة حكم صيام المسافر، فقد اختلف العلماء في حكم صيام المسافر إلى قولين:
القول الأول:
جواز الصوم في السفر، وهو قول جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة، أي أن من صام في السفر فصومه صحيح ولا قضاء عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر وأقر على ذلك، وخير السائل بين الصوم والفطر، فدل ذلك على جواز الصوم في السفر، وقد سبق ذكر الأدلة على هذا القول.
القول الثاني:
عدم صحة الصوم في السفر وهو قول ابن حزم رحمه الله ومن قبله بعض الصحابة، فقد أمر عمر رضي الله عنه رجلاً صام في السفر أن يعيد وورد ذلك أيضاً عن أبي هريرة.
وأدلة أهل هذا القول، قوله تعالى: ﴿فمن كان مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أُخر﴾ [سبق تخريجها في سورة البقرة].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فمنّا الصائم ومنّا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، وأكثرنا ظلاً صاحب الكساء، فمنّا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوّام، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذهب المفطرون اليوم بالأجر " [متفق عليه].
وهناك أدلة أُخرى سبق ذكرها.
وعن نافع قال: كان ابن عمر لا يصوم في السفر وكان يقول: لأن الفطر في السفر فآخذ برخصته الله، أحب إليّ من أن أصوم. [صحيح. ما صح من آثار الصحابة في الفقه 2/ 630].
المقصود من ذلك كله أن الخلاف قائم بين العلماء في أفضلية الصوم وحكمه في السفر
الراجح:
والراجح في ذلك والعلم عند الله تعالى وجمعاً بين الأحاديث:
أن الصائم في السفر إن كان يشق عليه الصوم ولو مشقةً يسيرة فالأفضل له الفطر ويكره له الصوم، وإن شق عليه الصوم مشقةً كبيرةً حرم عليه الصوم ورجع بالوزر دون الأجر ولا قضاء عليه وصومه صحيح مع الإثم.