وقد وجدت محقق كتاب المجموع شرح المهذب للنووي الدكتور / محمد نجيب المطيعي قد حقق هذه المسألة ثم توصل إلى ما توصلت إليه من أن الحقن العضلية والوريدية سواء كانت للتداوي أو للتغذية فهي مفطرة، فقد قال ما نصه " إن الطعام يُلتقم عن طريق الفم بالمضغ إلى مرحلة الهضم الأولى بخلطه بعصارة الفم (اللعاب) ليسهل بلعه وازدراده ثم يصل إلى المعدة عن طريق المريء بما يحدثه من حركة القبض والبسط، وبعد ذلك يحدث هضم شبه كلي، ثم ينزل إلى الإثني عشر فتفرز الكبد صفراءها لاتمام هضمها النهائي، لأن بعض المواد الغذائية كالدهنيات والبروتينات لا يتم هضمها نهائياً إلاّ في الإثني عشر ثم يحدث امتصاص في الأمعاء الدقيقة وهذه الأمعاء تنتشر حولها الأوردة المستقبلة للأشياء التي هضمها، فيصل إلى الوريد السفلي الحامل للدم إلى الكبد وفي الكبد تتم عملية تنقيته من الكواد السامة والفاسدة، ثم يندفع حتى يصل إلى القلب ليدفع به إلى الرئتين ليرجع إلى القلب مرة أخرى حاملاً معه الأكسجين ليتخلص الدم من ثاني أكسيد الكربون، هذا هو الطعام.
إذا ثبت هذا فإن حقنه الجلوكوز والفيتامين أو غيرهما من التي تعطى في الوريد أو الفصل على اختلاف في السرعة بين الطريقتين تصل مع الدم المراد تنقيته إلى القلب لكي يدفعه إلى الرئتين فينقى من ثاني أكسيد الكربون باستبداله بالأكسجين الناجم عن عملية التنفس الذي لا محيص عنه، ثم يرجع الدم مرة أخرى إلى القلب لكي يعاود توزيعه إلى جميع أجزاء الجسم لإمداده بالطاقة والقوة وتكوين الخلايا وتجديدها كما يفعل الطعام سواء بسواء.
ويمكن للإنسان إذا تكاملت في الحقن عناصر كافية من السكريات والبروتينات أن يعيش مستغنياً بذلك عن الطعام، بل إن المرء إذا مكث أياماً لا يأكل فإنه يفقد شهيته إلى الطعام، وهذا واقع ملموس، وعلى هذا تكون الحقنة العضلية والجلدية والعرفية سواء كانت للتداوي أو للتقوية مفطرة للصائم، لأنها تؤدي وظيفة الطعام، وتؤدي وظيفة الإستدواء من الفم، بل هي أبلغ وأسرع وأكثر تأثيراً في دفع المرض والهزال الناجم عن الجوع وما إلى ذلك من فوائد الطعام والدواء حتى المعدة نفسها تتجدد خلاياها وتشفى أمراضها " [6/ 345_346 في الحاشية].
وأقول، بعد سؤال الأطباء عن هذه الحقن ثبت أن منها ما هو (حبوب) ويؤدي وظيفة (الشراب) والحقن، أي أن بعض الأدوية منها ما هو على شكل حبوب يتعاطاها المريض فإن لم يستطع، فمنها ما هو شراب، ومنها ما هو على شكل حقن، وكلها تؤدي إلى وظيفة واحدة وهي فائدة الجسم.
قال الشيخ عبدالله بن منيع " الحقن التي تؤخذ في الوريد إختلفت الفتوى فيها، فبعض أهل العلم يقول: إن أخذها لا يؤثر على صحة الصوم، لأنها ليست أكلاً ولا شراباً ولا وسيلة للتغذية، وبعضهم يقول بإفسادها الصوم، لأنها تجري في الأوردة المتصلة بعموم الجسد بما في ذلك الجهاز الهضمي، وهذا القول هو الذي يظهر لي، لما فيه من الإحتياط والأخذ ببراءة الذمة واستقصاء الجهد في سلامة الصوم، وإذا إضطر المريض لتناول الإبرة فهو معذور بأخذ ولكن عليه القضاء " [مجموع فتاوى وبحوث 2/ 314].
والقول بإفطار الصائم بتناول أو تعاطي الإبر التي تؤخذ عن طريق الوريد والعضل قول تطمئن له النفس، خصوصاً بسؤال أهل المعرفة في ذلك وهم الأطباء، والذين أكدوا استفادة الجسم من تلك الحقن.
فيجب على الصائم توخي الحذر من أن يخدش صيامه أو يبطله ويفسده وهو لا يعلم، وإن كان الأمر ليوم أو يومين أو ثلاثة فلا بأس بقضائها ولا مشقة في ذلك، فالأمر يسير ولله الحمد.
المقصود أن على الصائم إن لم يكن بحاجة ماسة إلى تلك الحقن، فيجب تأخيرها إلى ما بعد الإفطار، أماّ إذا كان بحاجة ماسة لها والحاجة داعية إليها فهذا مريض والمريض معذور ومن أصحاب الأعذار الذين يباح لهم الفطر في رمضان فله أن يأخذ الإبرة ويقضي يوماً مكان ذلك اليوم، والله أعلم بالصواب.
16_ شم الروائح العطرية:
وضع العطور في ملابس الصائم، وتعاطيه تطيباً أثناء الصيام لا بأس به، لكن على الصائم أن يحذر من إستنشاق العطر أو تسعطه، والإستنشاق المبالغة في شم العطر حتى يجد الصائم أثره في حلقه فإن وجد أثره في حلقه، فهذا هو الذي ذكر بعض أهل العلم أنه مفسد للصوم.
والطيب من الأمور الطيبة التي ينبغي للإنسان أن يتجمل بها ويتحلى بها خصوصاً عند لقاء ربه في صلاته وعند إجتماع الناس، ألا ترى أن الميت إذا مات يطيب بالكافور والسدر حتى تكون رائحته طيبة زكية عند لقاء ربه سبحانه وتعالى.
فكذلك المصلي الصائم ينبغي له ذلك، لكن بدون جذب لشم رائحة الطيب، وإلاّ فالطيب لا بأس به للصائم، والله أعلم.
17_ المضمضة بقصد ترطيب الفم: