الثاني: أن يعجز عن تمييزه ومجه، لأنه معذور فيه غير مفرط، فإن قدر على هذين الشرطين ولم يقم بهما فقد أفطر، ولو كان الطعام دون الحمصة، لأنه لا مشقة في لفظه والتحرز منه.
المقصود من ذلك أن الصائم إذا أخرج ما بين أسنانه من الطعام حتى وصل الفم ثم بلعه متعمداً فقد أفطر سواءً قل الطعام أم كثر، أماّ لو غلبه وسبقه إلى جوفه بغير إرادته فإنه لا يفطر بذلك لأنه تبعاً لريقه ولا يمكن التحرز منه، هذا إن كان الطعام قليلاً وهو أقل من الحمصة.
لانه لا يمكن التحرز منه، أماّ الكثير فواضح أنه يمكن التحرز منه ولفظه. [الموسوعة الفقهية 28/ 63]
14_ الإصباح بجنابة أثناء الصوم:
اختلف العلماء وتنازعوا في من أجنب ثم أدركه الصبح ولم يغتسل ما حكم صيامه؟
فقيل أنه يقضي ذلك اليوم، وقيل لا يقضي.
والصحيح أنه لا يقضي ولا يفسد صومه بذلك لما يلي:
عن أبي بكر بن عبدالرحمن قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقص يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصم فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن الحارث لأبيه فأنكر ذلك، فانطلق عبدالرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما فسألهما عبدالرحمن عن ذلك قال فكلتاهما قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبدالرحمن فقال مروان: عزمت عليك ألاّ ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول، قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله فذكر له عبدالرحمن فقال أبو هريرة: أهما قالتا لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك. [رواه مسلم _ جمع الفوائد 1/ 497].
في الحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يرى أن من أصبح عليه الصبح وهو جنب من أهله فلا يصوم بل يفطر وعليه القضاء، وقال أنه سمع ذلك من الفضل يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما سُئلتا أم المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أجابتا، بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصلي بالناس ويصوم، فدل ذلك على جواز هذا الأمر للصائم، إذا أصاب زوجته ليلاً ثم نام ولم يستيقظ إلاّ بعد طلوع الفجر، فعليه أن يغتسل ويصلي وصومه صحيح، فتراجع أبو هريرة عمّا كان يفتي به إلى قول عائشة وأم سلمة رضي الله عنهم أجمعين.
وعن عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنباً من جِماع غير إحتلام في رمضان ثم يصوم. [متفق عليه].
وفي لفظ لمسلم عن أم سلمة: " ثم لا يفطر ولا يقضي ".
وعن عائشة رضي الله عنها، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جُنُب، أفأصوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم " فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال " والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقي ".
وعن سليمان بن يسار أنه سأل أم سلمة رضي الله عنها: عن الرجل يصبح جُنُباً، أيصوم؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جُنُباً، من غير إحتلام، ثم يصوم. [رواهما مسلم في صحيحه 7/ 182 _ 183].
قال النووي: " رجع أبو هريرة عن قوله في فطر من أصبح جُنُباً إلى قول عائشة وأم سلمة لأن أحاديثهما أولى بالإعتماد ولأنهما أعلم بمثل هذا الأمر من غيرهما ولأنه موافق للقرآن، فإن الله تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، قال تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة 187].
ومعلوم أنه إذا جاز الجِماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جُنُباً، ويصح صومه لقوله تعالى: " ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.
وإذا دل القرآن وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم على جواز الصوم لمن أصبح جُنُباً وجب الجواب عن حديث أبي هريرة عن الفضل عن النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، وهذا مذهب أصحابنا _ الشافعية _ وجوابهم عن الحديث فإن قيل: كيف يكون الإغتسال قبل الفجر أفضل وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه؟ فالجواب: أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز، ويكون في حقه حينئذٍ أفضل لأنه يتضمن البيان للناس وهو مأمور بالبيان، وهذا كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بياناً للجواز، ومعلوم أن الثلاث أفضل، وهو الذي واظب عليه وتظاهرت به الأحاديث وطاف على البعير لبيان الجواز، ومعلوم أن الطواف ساعياً أفضل، وهو الذي تكرر منه صلى الله عليه وسلم ونظائره كثيرة.