قال البنا: " أحاديث الباب فيها حث الصائم على التخلق بالأخلاق الفاضلة، لأنه متلبس بعبادة والعبادة لا يناسبها إلاّ ذلك، فإن سابه أحد أو شاتمه فليعرض عنه ولا يقابله بالمثل، وفي الأحاديث تحذير الصائم من اللغو والرفث وهو الكلام الفاحش القبيح والتحذير من الغيبة وتقبيحها ونحوها من كل فعل محرم شرعاً، وأن من ارتكب شيئاً من ذلك فقد أضاع ثواب صيامه واستحق المقت من الله.
نعوذ بالله من ذلك " [بلوغ الأماني 10/ 78].
وبهذه الأقوال جملةً وتفصيلاً يتضح أن الغيبة والنميمة وفحش الكلام من زور وكذب وبهتان وسب وشتم أن ذلك محرم شرعاً ومتوعد صاحبه بالعقوبة، فإن كان في رمضان أو يوم الصوم فهو أشد حرمة، وأعظم الأسباب لنقص الأجر وذهاب الثواب، وحصول المقت والغضب من الله، لأن الله تعالى غني عن العباد، وكل تلك الأمور لا تفطر الصائم بل تذهب بالأجر، فكأنه صام وقام فلم يحصل له إلاّ الجوع والسهر.
فعلى المسلم أن ينأى بنفسه عن مهاوي الردى ومراتع المعاصي، ومستنقعات الإثم، وأن يترفع بإسلامه عن ذلك، وأن يعتز بدينه وأن يرغب فيما عند الله تعالى والأجر العظيم وذلك بالتقوى والإخلاص له سبحانه.
قال الوزير: " واتفقوا على أن الغيبة والكذب يكرهان للصائم ولا يفطرانه، وأن صومه صحيح في الحكم، وذكر في فتح القدير: ذهاب الثواب لا نفس الصيام " [الإفصاح 3/ 94].
10_ خلع الضرس:
هناك أمور قد يحتاج إليها وإلى فعلها الصائم إضطراراً منه، لما تسببه له من آلام، قد لا يستطيع معها مواصلة الصيام، فيحتاج إلى فعلها أثناء الصيام ومن تلك الأمور، خلع الضرس عندما يلتهب ويشتد ألمه مما يضطر الصائم إلى خلعه، والصحيح أن ذلك الأمر جائز في نهار الصوم، لا سيما إذا دعت الحاجة إليه، وكانت هناك ضرورة ملحة، وكل ما يبتلعه الصائم من دم وغيره أثناء عملية خلع الضرس مما لا يمكن التحرز منه، فلا يفسد الصوم به، لأنه بغير إختيار الصائم، لا سيما للضرورة الماسة إلى ذلك، لكن على الصائم أن يحرص وأن يتجنب دخول شيء من ذلك إلى جوفه، وإن أخر ذلك إلى الليل كان أسلم وأحفظ للصوم مما يجرحه وينقص أجره.
المقصود أن عملية خلع الضرس أثناء الصوم لا بأس بها ولا تفسد الصوم.
وكذلك الإبرة التي تعطى للمريض من أجل تخدير موضع الألم لا تؤثر على صحة الصوم لأنها ليست بأكل ولا شرب ولا بمعناهما.
11_ ما يصل من الجسم إلى الحلق:
كل ما وصل إلى الحلق من الدماغ أو المعدة وابتلعه الصائم فإنه لا يفسد الصوم، لأنه لا يمكن التحرز منه، وكذلك النخامة التي تأتي من الدماغ أو المعدة، كذلك المخاط إذا استنشقه الصائم ما دام أنه في الحلق، فإذا ابتلعه فقد أفطر إذا كان متعمداً، مع ما فيهما من المضار أي النخامة والمخاط، فينبغي للصائم أن يهتم بمثل هذه الأمور، لأنها قد تكون مفسدة للصوم لو تساهل فيها وابتلعها متعمداً.
كذلك مما لا يفسد الصوم، البلل الذي يبقى في الفم بعد المضمضة، إذا ابتلعه الصائم مع الريق، بشرط أن يبصق بعد مج الماء لاختلاط الماء بالبصاق، فلا يخرج بمجرد المج، ولا تشترط المبالغة في البصق، لأن الباقي بعده مجرد بلل ورطوبة، لا يمكن التحرز منه. [الموسوعة الفقهية 28/ 63].
كذلك ابتلاع الصائم الريق المعتاد من الانسان لا يفطر الصائم.
12_ القيء قهراً:
مضى الكلام عن هذه النقطة بالتفصيل، لكن لا بأس بإعادة ما يخص هذه الجزئية وهي خروج القيء قسراً دون عمد.
الحقيقة أن الدليل في ذلك واضح وجلي وقد لا يخفى على جميع المسلمين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن إستقاء عمداً فليقضي "، فمن غلبه القيء فقاء فلا يفسد صومه بذلك، ولا قضاء عليه، لأن هذا الأمر لا دخل له فيه، وليس بإختياره، وخارج عن إرادته، فلا يلزم معه الإثم ولا الفساد ولا القضاء، لأنه أمر من باب ما أكره عليه الإنسان، وقد ورد في الحديث أن الله تعالى بمنة وكرمه قد تجاوز عن المكره والناسي والمخطيء في الإثم، وهنا يدخل عدم الفساد وعدم القضاء، بفضل الله ورحمته.
13_ ابتلاع ما بين الأسنان:
بما أن الإسلام قد حثّ على النظافة في جميع الأمور، في المكان والبدن والثوب، فحريٌ بالمؤمن مراعاة ذلك الأمر، وحث الإسلام على إستعمال السواك أو ما يقوم مقامه كالفرشاة والمعجون، وذلك من أجل إزالة بقايا الطعام العالقة بالأسنان بعد الأكل، مما يزيل الرائحة الغير مرغوب فيها في الفم، وللسواك مزايا وفوائد أخرى، وأسباب جمّة، ويتأكد عند أمور منها ما ذكرته من إزالة الرائحة التي بالفم وإزالة ما يعلق بين الأسنان.
ولنا في ذلك كله يتعلق بالصوم، وذلك عندما يبتلع الصائم ما يعلق من الطعام الذي بين الأسنان فالصحيح في ذلك بإذن الله تعالى هو ما شرطه الشافعية والحنابلة، فقد اشترطوا لعدم الإفطار بإبتلاع ما بين الأسنان شرطين:
أولهما: أن لا يقصد إبتلاعه.