وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع، ورب صائم قائم ليس له من قيامه إلاّ السهر " [رواه اين ماجة والنسائي وابن خزيمة والحاكم وقال الألباني حديث حسن صحيح].
وفي لفظ للحديث: " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر " [قال الألباني حديث حسن صحيح _ أنظر الترغيب والترهيب 1/ 625].
ولقد استفاضت أقوال العلماء في شرح هذه الأحاديث، وأوفوها حقها في ذلك.
قال النووي رحمه الله: " ينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم أكثر من غيره، وإلاّ فغير الصائم ينبغي له ذلك أيضاً ويؤمر به في كل حال، والتنزه أي التباعد، فلو اغتاب في صومه عصى ولم يبطل صومه عندنا _ أي الشافعية _ وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلاّ الأوزاعي فقال: يبطل الصوم بالغيبة ويجب قضاؤه.
والمراد بالأحاديث السابقة بأن المراد أن كمال الصوم وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء لا أن الصوم يبطل به. [المجموع 6/ 398].
وقال ابن حزم رحمه الله: " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرفث والجهل في الصوم، فكان من فعل شيئاً من ذلك عامداً ذاكراً لصومه، لم يصم كما أمر ومن لم يصم كما أمر، فلم يصم، لأنه لم يأت بالصيام الذي أمره الله تعالى به، وهو السالم من الرفث والجهل، وقال: رحمه الله: يفطر المغتاب والمغتابة وقال هذا مالا يسع أحداً خلافه. [المحلى 4/ 305].
قال الشوكاني: " لا يجهل أي لا يفعل شيئاً من أفعال الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك، ولا يصخب، والصخب هو الرجة وإضطراب الأصوات للخصام.
قال القرطبي: لا يُفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذُكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم، واختلف العلماء في المراد بقوله (إني صائم) .. هل يخاطب بها الذي يشتقه ويقاتله أو يقولها في نفسه، وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة ورجح النووي في (الأذكار) الأول، وقال في شرح المهذب: كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسناً، وقال الرويّاني: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غير رمضان _ أي تطوعاً _ فليقله في نفسه _ خوفاً من الرياء " [نيل الأوطار 4/ 214].
وقال الصنعاني: " في الحديث دليل على تحريم الكذب والعمل به، وتحريم السفه على الصائم، وهما محرمان على غير الصائم أيضاً، إلاّ أن التحريم في حقه آكد.
وقوله " فليس لله حاجة " قيل: هو كناية عن عدم القبول، وقيل: معناه أن ثواب الصيام لا يوازي عقاب ما ذكر من أقوال وأعمال محرمة، فالعقاب يعلو على الثواب " [سبل السلام 4/ 102. بتصرف].
وقال الطيبي: " الزور: الكذب، والبهتان، والعمل به: أي العمل بمقتضاه من الفواحش، ومما نهى الله عنه. المقصود من إيجاب الصوم وشرعيته ليس نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمارة بالسوء للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل له شيء من ذلك، ولم يكن له من صيامه إلاّ الجوع والعطش، لم يبال الله تعالى بصومه ولا ينظر إليه نظر قبول.
وفي الحديث دليل على أن الكذب والزور أصل الفواحش، ومعدن المناهي، بل قرين الشرك.
قال تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج 30].
وقد عُلم أن الشرك مضاد الإخلاص، وللصوم مزيد الإختصاص بالإخلاص، فيرتفع بما يضاده والله أعلم " [شرح الطيبي 5/ 1590].
قال ابن عبدالبر: " قوله " فلا يرفث " فالرفث: هنا الكلام القبيح والشتم والخنا والغيبة والجفاء وأن تغضب صاحبك بما يسوءه، والمراء ونحو ذلك.
ومعنى " لا يجهل " قريب مما يصيبنا من الشتم والسباب والقباح، واللغو: هو الباطل، قال الله عز وجل: ﴿وإذا مروّا باللغو مروّا كراماً﴾ [الفرقان 72].
وقيل الرفث: هو الجماع.
وكذلك من إغتاب أو شهد زوراً او منكراً لم يؤمر بأن يدع صيامه، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك ليتم له أمر صومه " [الاستذكار 3/ 373].
قال السُبكي " الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما عُلم النهي عنه مطلقاً، والصوم مأمور به مطلقاً، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثر بها الصوم لم يكن لذكرها فيه مشروطة فيه معنى يُفهم، فلما ذكرت في حديثين نبهتنا على أمرين:
أحدهما: زيادة قبحها في الصوم على غيرها.
الثاني: البحث على سلامة الصوم عنها، وأن سلامته منها صفة كماله فيه، فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، قال: فإذا لم يسلم عنها نقص " [فتح الباري 4/ 151].
وقال سماحة العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله " الغيبة لا تفطر الصائم، وهي ذكر الإنسان بما يكره، وهي معصية، لقول الله عز وجل " ولا يغتب بعضكم بعضاً " [الحجرات 12]، وهكذا النميمة والسب والشتم والكذب، كل ذلك لا يفطر الصائم وغيره، وهي تجرح الصوم وتنقص الأجر " [مجموع فتاوى ومقالات 15/ 320].