وقال الطحاوي " الكلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كلام عربي يقع فيه الكنايات لفهم المخاطبين بما خوطبوا به منه، وبمراد مخاطبتهم به فيه، ومعنى الحديث: قاء فأفطر: أي قاء فضعف فأفطر وكنى عن ضعُفَ، كمثل ما جاء في القرآن في آية كفارات الإيمان ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة 89].
بمعنى ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فحنثتم، لأنه لا إختلاف أن من حلف بيمين فلم يحنث فيها أنه لا كفارة عليه، وأن الكفارة فيها إنما تجب بالحنث فيها لا بالحلف بها.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم " ولكني قئت فضعفت " وقد دلّ على ذلك حديث أبي هريرة: " من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض " [تحفة الأخيار بترتيب مشكل الأثار 2/ 643].
قال ابن عبدالبر: " واختلف العلماء فيمن استقاء بعد إجماعهم على أن من ذرعه القيء فلا شيء عليه فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق: من استقاء عامداً فعليه القضاء، وعلى هذا جمهور العلماء فيمن استقاء أنه ليس عليه إلاّ القضاء ".
قال الطيبي: " قوله (قاء فأفطر) لعلّ الراوي رأى هذه الصورة فرواها، ولم يدري أنه صلى الله عليه وسلم استقاء، وإنما أولنا هذا الحديث لما مر _ يقصد جمعاً بين حديثي أبي هريرة وأبي الدرداء _ أو أنه صلى الله عليه وسلم كان صائماً صيام تطوع " [شرح الطيبي 5/ 1594].
قال المناوي " من غلبه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء يجب، ومن استقاء أي تكلف القيء عامداً عالماً وجوباً لبطلان صومه " [فيض القدير 11/ 5794].
وقال الشوكاني " حديث أبي هريرة يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه ويجب عليه القضاء، وحديث أبي الدرداء محمول على القيء عامداً وكأنه كان صلى الله عليه وسلم صائماً تطوعاً " [نيل الأوطار 4/ 210].
قال الترمذي: " العمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة: " من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء " [شرح الزرقاني 2/ 250].
قال الباجي: " من استقاء عمداً فيجب عليه القضاء والدليل على الوجوب أن المتعمد للقيء والمستعمل له والمكره لنفسه عليه، لا يسلم في الغالب من رجوع شيءٍ إلى حلقه مماّ قد صار فيه، فيقع به فطره، فلماّ كان ذلك الغالب من حاله، مُهل سائره على غالبه " [المنتقى شرح موطأ مالك 3/ 68].
قال ابن المنذر: " وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عمداً " [الإجماع 59].
مماّ سبق يتضح للمتأمل في الأدلة السابقة وبعد عرض أقوال العلماء في مسألة القيء المتعمد أثناء الصوم وبما ذكره ابن المنذر من انعقاد الإجماع على فطر من استقاء عمداً، على ذلك كله يتضح أن من استقاء عمداً فعليه القضاء، وقد إرتكب كبيرة من كبائر الذنوب بفطره المتعمد، أماّ من استقاء عمداً ولكن لعلةٍ فعليه القضاء دون الإثم، ومن ذرعه القيء وغلبه ولم يتعمد خروجه فلا قضاء عليه ولا إثم.
هذا هو القول الصواب بإذن الله تعالى في هذه المسألة والذي يطمئن له القلب بعد كل الخاص على العام والله أعلم بالصواب.
ويقاس على القيء الرعاف، فمن أرعف نفسه متعمداً أو تسبب في خروج الدم من أي مكان من جسده وكان الدم كثيراً يضعف البدن فإنه يلزمه القضاء، أماّ إن كان الدم قليلاً فلا قضاء عليه، أماّ ما يحدث للإنسان من إصابات يخرج بسببها الدم فلا شيء على صاحبها، وما ذكرته في موضوع الدم يلحق بالحجامة من باب أولى.
8_ الاستمناء:
الإستنماء حرام بأي شكل وبأي طريقة كان وهو ما يسمىّ بالعادة السرية وهذا أمر محرم لما فيه من تعد لحدود الله تعالى وقضاء الوطر في غير ما أحل الله عز وجل، وقيل أن ناكح اليد يأتي يوم القيامة ويده حبلى ويفتضح أمره أمام الخلائق، فانظر إلى الفضيحة، وسوء العاقبة، وقبح الخاتمة، وأما دليل تحريم ذلك فهو قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المعارج 29 - 30]، يقول ابن جرير الطبري: " فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته، أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم العادون، الذين عدلوا عما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم فهم الملومون " [تفسير الطبري 7/ 372].