أنها لا تسقط بالإعسار، لأنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل ظاهر الحديث عدم سقوطها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لماّ سأل الواطاء عن أنزل درجات الكفارة وأقلها وهي الإطعام فقال الرجل: لا أجد، سكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُبراء ذمة الرجل من الكفارة والأصل أنها باقية، أما الترخيص له بإطعام الكفارة لأهله، فلأنها من غيره فجاز له أن يطعمها أهله لفقره وحاجته، أماّ لو أخرجها من ماله فلا يجوز أن يطعمها أهله.
هذا القول هو قول جمهور العلماء، وهو القول الصواب في هذه المسألة، لأنه أحوط للصائم وأبرأ لذمته .. والله أعلم.
ومن جامع في نهار رمضان ثم كفر بأن أعتق رقبة ثم جامع في يوم آخر فعليه كفارة أُخرى وهكذا.
ومن جامع في يوم واحد عدة مرّات، فتلزمه كفارة واحدة فقط، لأن الجماع الأول أفسد صومه فلم يعد يؤثر فيه بقية الجماع لفساد الصوم.
الكفارة تجب بالترتيب وهي كما يلي:
1_ عتق رقبة مؤمنة، لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة، لأن الآيات يفسر بعضها بعضاً وكذلك السنة يبين بعضها بعضاً. ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: " هل تجد رقبة تعتقها؟ "، وجاء القرآن صريحاً ببيان هذه الرقبة معرفاً بها في قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾.
إذ أنه لا عبرة برقبة الكافر ولا فائدة من عتقها، بل الواجب ذل الكافر واستعماله في مشاغل المسلمين وأعمالهم، لأنه لا حرمة له.
2_ صيام شهرين متتابعين: وصيام الشهرين المتتابعين يجوز أن يكون من أول الشهر، فيصوم شهرين متتابعين سواءً كان الشهران تامان أم ناقصان، أو أحدهما ناقص والآخر تام.
كل ذلك جائز لأنه يصدق عليه أنه صام شهرين متتابعين ومعلوم من الشرع أن الشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ثلاثين يوماً.
وأماّ من صام وسط الشهر من أوله أو آخره، فيلزمه أن يصوم ستين يوماً، وإن قطع التتابع بدون عذر فعليه أن يستأنف الصيام من أوله فيصوم شهرين متتابعين، أماّ إذا قطع التتابع بعذر من مرض أو سفر أو حيض أو نفاس أو عدم استطاعة على التتابع فإنه متى انتهى السبب المبيح لقطع التتابع لزمه أن يبني على ما مضى، فلو صام خمسةً وأربعين يوماً ثم حدث له ما يجوز به قطع التتابع فإنه يقطع التتابع وبعد زوال المانع يكمل، فيبدأ من اليوم السادس والأربعين حتى يتم صيام الكفارة.
والتتابع هو حجة للجمهور على ابن أبي ليلى إذ لم يشترطه، قال الساعاتي: " وفي أحاديث الباب دلالة على اشتراط التتابع في صيام كفارة رمضان، وإليه ذهب كافة العلماء إلاّ ابن أبي ليلى، فقد ذهب إلى جواز تفريقه مستدلاً بحديث أبي هريرة الثاني من أحاديث الباب، لأنه لم يذكر فيه تتابعاً، وحجة الجمهور حديث أبي هريرة الأول من أحاديث الباب، وهو مقيد بالتتابع فيحمل المطلق عليه.
واشترط الجمهور أن لا يكون في الشهرين شهر رمضان، وأن لا يكون فيهما أيام منهي عن صومها كيومي الفطر والأضحى وأيام التشريق " [الفتح الرباني 10/ 98].
3_ إطعام ستين مسكيناً، وقد سبق الكلام على ذلك في نقطة سابقة.
فمن كانت عليه كفارة وجب عليه أن يرتبها، فلا يبدأ بواحدة قبل التي قبلها حتى يعجز عماّ قبلها عجزاً تاماً، فإن عجز ولم يستطع انتقل إلى التي تليها، وإن عجز عنها أيضاً سقطت وبقيت حتى يقدر عليها.
ووجوب الكفارة في رمضان من أجل حرمة الزمان، وعلى ذلك لو أن إنساناً جامع زوجته في قضاء رمضان في أيّ شهر من الشهور لم تجب في حقه الكفارة، لأنها خاصة برمضان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح، أو لحرمة الزمان؟
فيه قولان: الصواب هو الثاني. [الاختيارات 97].
مسألة مهمة:
من طلع عليه الفجر وهو يجامع ماذا يلزمه؟
هذه مسألة مهمة، قد يتعرض لها الصائم فوجب العناية بها وفهمها حتى لا يقع المسلم فيما يفسد عليه صومه ويوجب الكفارة.
اختلف العلماء في هذه المسألة وهي ما إذا كان الرجل مجامعاً لزوجته ثم طلع عليه الفجر الصادق أو سمع المؤذن الثقة الثبت الذي يتحرى بأذانه طلوع الفجر، اختلفوا في ذلك إلى أربعة أقوال:
القول الأول:
قول مالك رحمه الله، قال: إن نزع في الحال لزمه القضاء، وإن استدام _ يعني واصل الجماع بعد طلوع الفجر _ لزمه الكفارة أيضاً أي مع القضاء.
القول الثاني:
قول الشافعي رحمه الله: إن نزع في الحال فلا شيء عليه، وإن استدام لزمه القضاء
والكفارة.
القول الثالث:
قول أبي حنيفة رحمه الله: إن نزع في الحال صح صومه، ولا كفارة عليه، وإن استدام لزمه القضاء دون الكفارة.
القول الرابع:
قول الإمام أحمد رحمه الله: عليه القضاء والكفارة مطلقاً، نزع أو استدام.
الراجح:
والصحيح في ذلك أنه إن نزع في الحال فلا شيء عليه، فلا يلزمه القضاء، ولا تلزمه الكفارة، لكن إن استدام الجماع وجب عليه القضاء والكفارة، وهذا يوافق قول الشافعي رحمه الله تعالى.