تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعليل ابن تيمية ضعف حديث أمر المجامع في رمضان بالقضاء بعدول البخاري ومسلم عنه ليس بشيء عندي، فكم من حديث عدل الشيخان عنه وهو صحيح، والحق أن حديث أمر المجامع في نهار رمضان بالقضاء ثابت صحيح بمجموع طرقه، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله. فقضاء المجامع من تمام كفارته، فلا يلحق به غيره من المفطرين عمداً. [تمام المنة 425].

فالفطر عمداً في رمضان عن طريق الأكل والشرب، أشد إثماً وأعظم خطراً من غيره من سائر المفطرات كالجماع مثلاً، فالأكل والشرب عمداً في نهار رمضان أقل عقوبة وزجراً في الدنيا لأنه لا يعلم به أحد ولهذا فليس هناك من يعاقبه على فعله القبيح، ولكنه أشد عقوبة في الآخرة، ولهذا لا يؤمر بالقضاء لأنه لا كفارة لذلك الفعل الشنيع والمنكر العظيم، فصاحبه تحت المشيئة إن شاء عذبه ربه، وإن شاء غفر له،، أما الجماع في نهار رمضان، فهو أشد زجراً في الدنيا، ولا عقوبة عليه في الآخرة بإذن الله تعالى لأنه مأمور بالتكفير عما فعل ومأمور بالقضاء، فإقامة الحدود، وأداء الكفارات في الدنيا كفارة، تدرء العذاب في الآخرة، فالله تبارك وتعالى أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأعدل العادلين، لا يوجب على عباده الحد والكفارة مرتين، فمن أقيم عليه الحد في الدنيا، وأدى كفارة جُرمه وجريرته فهو كفارة له يوم القيامة، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب منكم شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له " قال: فبايعناه على ذلك. [أخرجه البخاري ومسلم].

فمن أفطر يوماً في رمضان متعمداً قاصداً ذلك لم يقضه صوم الدهر وإن صامه، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ما لم يتب توبةً نصوحاً تجُبّ ما قبلها وأن يعزم عزماً صادقاً من قلبه على ألاّ يعود إلى مثل ذلك وأن يندم على فعله ذلك، وأن يكثر من الاستغفار وفعل النوافل، لأنه انتهك يوماً محرماً عليه إنتهاكه بمقتضى الدليل، ولذلك لو صام مكانه يوماً آخر لم يُجزئه عن ذلك اليوم، لأن العبادة المؤقتة بوقت معين إذا أخرها الإنسان عن وقتها عامداً لم تُقبل منه، وكذلك العبادة المؤقتة بوقت وقدمها الإنسان عن وقتها لم تقبل منه، كما هو مقرر في القواعد الفقهية، ولكن إن قضى احتياطاً كما قال بذلك بعض العلماء جاز ذلك.

لكن هل ينفعه القضاء؟ الظاهر والله أعلم أنه لا ينفعه.

قال ابن العربي: " الشيء إنما يقضى بمثله ولا مثل ليوم من رمضان إلاّ يوماً من رمضان آخر ولا يوم من رمضان يوجد خالياً عن فرضه فيتفرغ لفرضٍ غيره حتى يؤدي فيه " [عارضة الأحوذي 3/ 249].

وقد جاء في حديث ضعيف عند الترمذي وغيره قوله صلى الله عليه وسلم: " من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه ".

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه " من أفطر يوماً في رمضان متعمداً من غير علّة، ثم قضى طول الدهر لم يُقبل منه " وروي عن علي رضي الله عنه مثله.

فظهر أن ما ادعى ابن الملك من الإجماع على أنه يقضي يوماً مكانه ليس بصحيح، فليس هناك إجماع بل خلاف. [تحفة الأحوذي 3/ 472].

فليحذر الذين يظهرون الصوم ويبطنون الفطر، وليتقوا الله تعالى وليعلموا أن الله معهم بعلمه وقدرته على علم الغيب، فهو سبحانه على عرشه مطلع على خلقه، يسمع ويرى.

قال تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذا يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً﴾ [النساء 108].

وقال تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ [المجادلة 7].

3_ الجماع المتعمد:

هذا من أعظم المفطرات، ومن أشنع المفسدات، لما يترتب عليه من أمور صارمة، فمن جامع في نهار رمضان متعمداً قاصداً عالماً بذلك ولم يكن له مسوغ في الفطر، فيجب عليه بذلك عدة أمور:

1_ الإمساك بقية اليوم، معاملة له بنقيض قصده، وتنكيلاً له، وزجراً لغيره.

2_ الإثم الذي ترتب على انتهاك حرمة ذلك اليوم.

3_ القضاء، وذلك بأن بقضي يوماً مكان اليوم الذي انتهك حرمته.

4_ الكفارة المغلظة وهي: عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد صام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً لكل مسكين نصف صاع وهو كيلو ونصف من قوت أهل البلد.

ويجوز أن يجمع ستين مسكيناً ويغديهم أو يعشيهم بعد رمضان، وإن كان لا يستطيع أن يطعم الجميع لعدم كفاية النفقة في ذلك، فله أن يطعم كل مدة عدداً معيناً منهم حتى يطعم الستين مسكيناً جميعاً.

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ٥٧