تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن القيم: الذي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، أماّ وهو صائم فلا تصح هذه اللفظة، وممن قال ذلك الإمام أحمد ووافقه غيره. [تهذيب السنن].

وممن يرى الفطر بالحجامة أثناء نهار رمضان سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في شرح بلوغ المرام، وكذلك اللجنة الدائمة للإفتاء [10/ 262].

وفضيلة الشيخ عبدالله بن منيع حيث قال: وأما أخذ الدم من الصائم فهو كالحجامة مفسد للصوم. [مجموع فتاوى وبحوث 2/ 352].

وقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: التفطير بالحجامة هو الصحيح، ولا يوجد حديث يقاومه. والصحيح عند أهل الحديث أن احتجام النبي صلى الله عليه وسلم المذكور في حديث ابن عباس في الحج فقط، وذكره مع الصوم أو مجموعاً وهم. [مجموع فتاوى ورسائل 4/ 191].

ورجح الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أن الحجامة تفطر الصائم. [الشرح الممتع 5/ 395].

وكذلك ذهب الشوكاني رحمه الله إلى أن الحجامة مفطرة للصائم، فقال: يُجمع بين الأحاديث الواردة في أن الحجامة يفطر بها الصائم. [السيل الجرار 2/ 41].

الراجح:

ومما سبق يترجح لدي أن الحجامة تفطر الصائم، ويفطر بذلك الحاجم والمحجوم على حد سواء، لأن الأحاديث صحت وتواترت بذلك كما ذكر ذلك الطحاوي، وأحاديث الفطر بالحجامة صحيحة وصريحة رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر نفساً، بل لقد ساق الإمام أحمد جميع أحاديثهم.

قال شيخ الإسلام: فكيف يقدم على هذه الأحاديث، أحاديث أخرى هي بين أمرين: صحيح لا دلالة فيه، أو فيه دلالة ولكن غير صحيح.

وهناك جمع آخر بين الأحاديث كلها: وهو أن الحجامة للصائم إذا احتاج إليها فإنه لا بأس بها مع قضاء ذلك اليوم بلا كراهة، أماّ إذا لم يكن محتاجاً إليها فتُكره كراهة تحريم.

أماّ إذا احتاج إليها الحاج فلا بأس لأن الحاج مسافر، والمسافر له الفطر، فيفطر بالحجامة وغيرها.

هذا القول هو القول الصحيح والراجح الذي تطمئن إليه النفوس، وفيه قوة الدليل الذي يستند عليه الحكم في ذلك، وخروجاً من خلاف العلماء وأبرأ للذمة وأحوط لصحة الصوم، والله تعالى أعلم بالصواب.

2_ الأكل والشرب عمداّ:

هذا هو المفطر الثاني والمفسد الثاني من مفسدات الصوم.

والأكل والشرب عمداً في نهار رمضان يفسد ذلك اليوم ويوجب العقاب لصاحبه، وهذا محل إجماع بين العلماء، قال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن الله عز وجل حرّم على الصائم في نهار الصوم الرفث وهو الجماع، والأكل والشرب. [الإجماع لإبن المنذر 59].

وقال ابن حزم: واتفقوا على أن الشرب والجماع في الفرج للمرأة، إذا كان ذلك نهاراً بعمد، وهو ذاكر لصيامه، فإن صيامه ينتقض. [مراتب الإجماع 71].

وقال الوزير: واتفقوا على أن من تعمد الأكل والشرب صحيحاً مقيماً في يوم من شهر رمضان أنه يجب عليه القضاء. [الإفصاح 3/ 108].

ولقد جاء الترهيب من إفطار يوم من رمضان بدون عذر في حديث أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينما أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بظبعي فأتيا بي جبلاً وعراً، فقال: إصعد، فقلت: إنيّ لا أُطيقه، فقالا: إناّ سنسهله لك، فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عُواء أهل النار، ثم انطلقا بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً. قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم " [أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والنسائي في الكبرى وغيرهم، انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/ 588 وصححه الألباني] ومعنى قبل تحلة صومهم: أي أنهم يفطرون قبل وقت الإفطار، أي قبل مغيب الشمس.

وقد دلّ القرآن على ذلك في قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [سبق تخريجها].

فعلم من ذلك أن وقت الصيام من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، فيحرم على الصائم أن يفعل شيئاً من المفطرات فيما بين هذين الوقتين، ومن فعل شيئاً من المفطرات، فقد فسد صومه وأفطر بذلك، وانتهك حرمة ذلك اليوم، وعصى ربه تبارك وتعالى متناسياً بذلك ما أعدّه الله تعالى لِمن أفطر متعمداً من العقوبة وأليم العذاب وشديد النكال، كما جاء ذلك صريحاً صحيحاً في الحديث السابق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

ولا يقضي متعمد بلا عذر صوم ولا صلاة، ولا تصح منه. وما روي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المجامع في رمضان بالقضاء " ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه. [الاختيارات 162].

قال الألباني تعليقاً على كلام شيخ الإسلام:

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ٥٦