فالمسلم في شوق دائم للقاء هذا الضيف العزيز الذي يهل على المسلمين بنفحات الإيمان والخير والبركة، وعندما يوشك على الإنقضاء يعمّ الحزن أرجاء البلاد حزناً على فراق ذلك الزائر العزيز والضيف الكريم.
فيجب على الصائم أن يحفظ صومه ويصونه من كل ما يدنسه من قول أو فعل حتى يرتفع صيامه كاملاً لا ناقصاً فيجد الجزاء الأوفى عند الله تعالى.
وهنا قاعدة مهمة تفيد طالب العلم، كي يعرف هذا الأمر أهو مفسد أم غير مفسد، والقاعدة تقول: " فعل المحرم إن كان محرماً من أجل العبادة أفسدها، وإن كان تحريمه عاماً لم يفسدها " لكنه بلا شك ينقص أجرها، ويعرض صاحبها للعقوبة. ومثال ذلك ذلك:
الكلام المحرم كالغيبة والنميمة مثلاً، هل هي حرام من أجل الصيام؟ أم محرمة دائماً؟ والجواب: أنها محرمة دائماً، فعلى حسب القاعدة السابقة، إذا فعل الإنسان الغيبة في رمضان لم يبطل صيامه، ولكن ينقص بفعلها.
مثال آخر: الأكل محرم في نهار رمضان من أجل الصيام، فإذا أكل الإنسان متعمداً بطل صومه، لأن تحريم الأكل من أجل رمضان. وعلى ذلك فقس كل الأمور.
وهناك مفسدات قد يقع فيها الصائم فيفسد صومه بها أو بأحدها، فعلى المسلم أن يعرفها كي يتجنبها، ومن هذه المفسدات:
1_ الحجامة:
قد يحتاج الإنسان إلى التداوي بالحجامة وهذا أمر فطري، فكل ما يصيب الإنسان من داء يحتاج معه إلى دواء ليذهب الداء.
ومن تلك الأدوية الحجامة، قال صلى الله عليه وسلم: " الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي " [رواه البخاري].
وأماّ أوقات الحجامة فيتضح ذلك جلياّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً " من احتجم لسبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، كانت شفاءً من كل داء " [رواه أبو داود بإسناد حسن / زاد المعاد 4/ 59].
ومعنى ذلك أن أفضل الأوقات للحجامة أن تكون اليوم السابع عشر أو التاسع عشر أو الحادي والعشرين من الشهر، وأفضل ساعاتها أن تكون في النهار على الريق، وتكره على الشبع.
وأفضل أيام الحجامة الإثنين، وتكره فيما عدا ذلك ولو أن في ذلك أحاديث ضعيفة، لكن الإمام أحمد رحمه الله كره الحجامة فيما عدا الإثنين.
وتجوز الحجامة في كل وقت لمن احتاج إليها حتى في الصيام، لكن اختلف العلماء رحمهم الله في الحجامة .. هل تفطر الصائم أم لا؟
وأحاديث الحجامة سأذكرها هنا مع بيان الراجح إن شاء الله تعالى حسبما تقتضيه الأدلة:
1_ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء والإحتلام " [حديث ضعيف _ أنظر جمع الفوائد 1/ 494].
2_ وعن رافع بن خديج، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أفطر الحاجم والمحجوم " [رواه الترمذي وصححه الألباني ورواه أحمد].
3_ وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل يحتجم في رمضان، فقال: " أفطر الحاجم والمحجوم " [رواه الإمام أحمد وقال: هو أصح ما روي في هذا الباب وكذا قال الترمذي عن البخاري، وصححه البخاري تبعاً لعلي بن المديني _ بلوغ الأماني 10/ 35].
4_ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم " [رواه البخاري].
5_ وسُئل أنس بن مالك رضي الله عنه: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلاّ من أجل الضعف " [رواه البخاري].
قال ابن حجر: فإن توقّى أحد الحجامة كان أحب إليّ إحتياطاً. [فتح الباري 4/ 226].
وقال العيني: وقد ذكرت وجوهاً أخرى، منها ما قيل إن فيها التعرض للإفطار _ أي أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم _ أماّ المحجوم فلضعف، وأما الحاجم فلأنه لا يؤمَن أن يصل إلى جوفه من طعم الدم، ومنها ما قيل: إنه صلى الله عليه وسلم مر بهما مساءً، فقال " أفطر الحاجم والمحجوم "، فكأنه عذرهما بهذا. [عمدة القاري 8/ 127].
وقع خلاف كبير بين العلماء سلفاً وخلفاً في الحجامة، وهل تفطر الصائم إذا ما احتجم نهاراً أم لا؟
وقد قدم كل منهم أدلته مصححاً لها ومضعفاً لغيرها.
وقال ابن القيم رحمه الله: الصواب الفطر بالحجامة، لصحة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير معارض وأصح ما يعارض به حديث حجامته وهو صائم، ولكن لا يدل على عدم الفطر إلاّ بعد أربعة أمور:
أحدها: أن الصوم كان فرضاً.
الثاني: أنه كان مقيماً.
الثالث: أنه لم يكن مريضاً مرضاً احتاج معه إلى الحجامة.
الرابع: أن هذا الحديث: " احتجم وهو صائم " متأخر عن قوله: " أفطر الحاجم والمحجوم ".
فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع، أمكن الإستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم على بقاء الصوم مع الحجامة. [زاد المعاد 4/ 62].
وقد أفاد وأجاد العلامة ابن القيم في تفنيد أدلة القائلين بجواز الحجامة للصائم وعدم الفطر بها في تهذيب السنن [أنظر عون المعبود 6/ 356 _ 368].
وممن يرى الفطر بالحجامة الإمام أحمد رحمه الله وإسحاق بن راهويه.