تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيجب على الرجل أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه وعمن يمون، أي عمن تجب عليه نفقته من الأولاد والآباء والزوجات وغيرهم ممن تجب عليه نفقتهم، قال ابن المنذر رحمه الله: " وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء إذا أمكنه أداؤها عن نفسه وأولاده الأطفال الذين لا مال لهم " [الإجماع 55]، وقال الوزير: " واتفقوا على أن من كان مخاطباً بزكاة الفطر على اختلافهم في صفته، أنه يجب عليه زكاة الفطر عن نفسه وعن غيره من أولاده الصغار ومماليكه المسلمين الذين ليسوا للتجارة " [الإفصاح عن معاني الصحاح 3/ 16]. فعلى ذلك يجب على الموسر أن يخرج الزكاة عن نفسه وعمن يعول، وأما الزوجة فإن كانت موظفة وأرادت أن تخرج زكاتها من مالها فلها ذلك ولو بغير علم زوجها، لأنها مخاطبة بها بنفسها، وكذلك الخدم المستأجرين إذا أرادوا إخراج زكاة الفطر من رواتبهم فلهم ذلك، وإن أراد كفيلهم إخراجها عنهم برضىً منهم جاز ذلك، وعلى الأب أن يخرج زكاة الفطر عن أبنائه الكبار الذين لا قدرة لهم على أدائها، وعلى الابن الموسر وإن نزل أن يخرج زكاة الفطر عن أبويه المعسرين وإن علوا، كالآباء والأجداد. وفي كل تلك المسائل خالف أبو حنيفة رحمه الله ولقوله وجه من الحق، لكن قول الجمهور قول قوي أيضاً، وهو الصواب بإذن الله تعالى.

الزكاة تتبع البدن:

من وجبت عليه زكاة الفطر فإنه يخرجها في المكان الذي هو فيه، لأنها تتبع البدن، وكذلك يخرجها عمن يجب إخراجها عنه في مكانه الذي هو فيه، فلو وجبت زكاة الفطر على الرجل وهو في جدة فإنه يخرجها عنه وعن أولاده وزوجاته وآبائه في جدة ولو كانوا هم خارج جدة، وعلى ذلك فقس. لأن الزكاة تتبع البدن، فأي مكان كان فيه الإنسان، ووجبت عليه الزكاة أخرجها في المكان الذي أدركه الوجوب فيه. مم تكون زكاة الفطر:

الصحيح في هذه المسألة أن زكاة الفطر تكون من قوت البلد، فلا يكلف الإنسان أن يخرجها من غير قوت بلده، وقد قال بعض أهل العلم أنها تخرج من الأصناف المذكورة في الحديث فقط لأنها تعبدية، وهي التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يعكر عليهم حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: " كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام "، وقال أبو سعيد: " وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر " [أخرجه البخاري]، فقوله رضي الله عنه: " وكان طعامنا " يدل على المقصود طعام الناس وقت وجوب زكاة الفطر عليهم، لأن الإنسان لا يكلف بما لا يستطيع، ولأن الزكاة مواساة، فيعطي الناس من غالب قوتهم الذي يأكلونه، والناس اليوم أفضل طعامهم الأرز، فيجوز إخراج الزكاة منه، بل هو الأفضل اليوم، لكونه من خير طعام الناس، وفيه أحسن المواساة للفقراء.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " أن النبي صلى الله عليه وسلم، فرض صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم، كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم من غير الحبوب، كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائناً ما كان، هذا قول جمهور العلماء وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم، وعلى هذا فيجزئ إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث، وأما إخراج الخبز والطعام فإنه وإن كان أنفع للمساكين لقلة المؤونة والكلفة فيه، فقد يكون الحب أنفع لهم لطول بقائه " [إعلام الموقعين 2/ 21].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " إذا كان أهل البلد يقتاتون أحد هذه الأصناف جاز الإخراج من قوتهم، بلا ريب. وهل لهم أن يخرجوا ما يقتاتون من غيرها مثل أن يكونوا يقتاتون الأرز، والدخن، فهل عليهم أن يخرجوا حنطة، أو شعيراً أو يجزئهم الأرز، والدخن والذرة؟ فيه نزاع مشهور. وهما روايتان عن أحمد:

إحداهما: لا يخرج إلا المنصوص.

والأخرى: يخرج ما يقتاته، وإن لم يكن من هذه الأصناف، وهو قول أكثر العلماء: كالشافعي، وغيره، وهو أصح الأقوال؛ فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المساواة للفقراء، كما قال تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الاَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُو اْ أَيْمَانَكُمْ كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89].

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ١١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ١١٥