تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تلك المشاركات قمار وميسر حرام، فالمشارك والداعي إلى المشاركة، مشارك في الإثم والعداون، وآكل للمال الحرام، الذي هو وبال على صاحبه، ولن ينتفع به أبداً لأن الله تعالى يمحقه ولا يبارك فيه لصاحبه، وإن كانت هناك منفعة فهي وقتيه، ثم يقاسي صاحبها العذاب الأليم في القبر، قبر يوم الحشر، قال تعالى: " ولا تعاونوا على الإثم والعداون واتقوا الله إن الله شديد العقاب " [المائدة 2]، وقال تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون " [البقرة 188]، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة " [أخرجه البخاري]، وقال صلى الله عليه وسلم: " كل جسد نبت من السحت فالنار أولى به " [أخرجه البخاري]، وقال صلى الله عليه وسلم: " كل جسد غذي بالحرام فالنار أولى به " [أخرجه الترمذي]. والمال الحرام سبب لحرمان صاحبه من رفع دعائه، واستجابة طلبه، وتركاً لتضرعه، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له " [أخرجه مسلم].

فتلك المسابقات وتلك الجوائز سحت حرام، ودعوة إلى أكل الأموال بالباطل، ودعوة للميسر والقمار، وفي ذلك تعد لحدود الله، وعصيان له، وتمرد عليه، قال تعالى: " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين " [النساء 14]. فالعاقل من وزن الأمور بميزان الشريعة، واتبع سبيل المؤمنين، وخاف الله تعالى في كل شؤون حياته، فمن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة اللع غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، فالعاقل من نظر إلى الحياة بمنظار الكتاب العزيز، ومرآة السنة المطهرة، الذان لم يذكرا الدنيا إلا في مقام الذم والقدح، ولم يذكراها أبداً بمقام المدح، فعلى أولئك التجار وأهل الأموال أن يتقوا الله تعالى فيما أعطاهم الله من أموال فهي استدراج لهم ليرى سبحانه وهو أعلم بهم، ماذا كانوا عاملين بها، فمنهم من عرف حق الله تعالى فيها فأنفقها في سبيله سبحانه رجاء ثوابه، وخوف عقابه، ومنهم من استعملها في الحرام كما في مسألتنا هذه، فأضل الناس، وأضل كثيراً، وضل عن سبيل الله، فهذا مُعَرَّضٌ للعقوبة والعذاب، ما لم يرجع إلى ربه ويتوب إليه. والله يقبل توبة التائب إذا عاد إلى ربه، وعرف الحق وتمسك به.

ختام شهر رمضان المبارك:

ها هو شهر رمضان قد قوِّصت خيامه، وغابت نجومه، وقوضت أطنابه. وها نحن في ليلة العيد، فالمقبول منا هو السعيد، والشقي من هو من رحمة ربه بعيد، وإن الله قد شرع لعباده في ختام الشهر عبادات تقوي الإيمان وتزيد الحسنات وترفع الدرجات، فطوبى لمن حظي بها، ومن تلك العبادات:

أولاً / زكاة الفطر:

شرعية زكاة الفطر:

شرعت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وفرضت بعد فرض صوم رمضان، وقيل: أنها فرضت أثناء شهر رمضان، وقد فرضت زكاة الفطر، قبل زكاة المال.

حكمها:

زكاة الفطر فريضة واجبة، وقد فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واجبة بالفطر من رمضان، أي واجبة لمن صام رمضان سواءً كان غنياً أو فقيراً، لأنها طهرة للصائم فلا فرق بين الغني والفقير، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: " زكاة الفطر على كل حر وعبد، ذكر وأنثى، صغير أو كبير، فقير أو غني. . . " [متفق عليه]، وهذا من كلام أبي هريرة رضي الله عنه، ومعلوم أن مثل هذا القول لا يُقال بالرأي، بل يدل على أنه مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

حكمتها:

والحكمة من مشروعية زكاة الفطر، ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. . . " [رواه أبو داود، وابن ماجة].

فالحكمة مركبة من ثلاثة أمور:

الأول: طهرة للصائم من اللغو والرفث.

الثاني: طعمة للمساكين.

الثالث: شكراً لله تعالى على ما من به من صيام شهر رمضان كاملاً.

وقت وجوبها:

الصحيح أنها تجب بغروب شمس ليلة عيد الفطر، لأن في ذلك توسعة للناس كي يجدوا الفقراء والمحتاجين ليدفعوها إليهم ويغنوهم عن السؤال يوم العيد، ولأن ذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم، فسميت صدقة الفطر لاقترانها بالفطر.

ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين لأن ذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

ولا يجوز إخراج زكاة الفطر قبل يوم العيد بأكثر من يومين لفوات المقصود منها، وهو إغناء الفقراء والمساكين عن الطلب والسؤال يوم العيد، فإن أعطوا قبل يومين من ليلة العيد، فقدت الزكاة أثرها المترتبة عليه، لأن الفقير قد ينفقها على نفسه ومن يعول فتنتهي، فيعود لسؤال الناس يوم العيد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " أغنوهم عن الطلب هذا اليوم " [رواه الدار قطني].

وأفضل وقتها بعد صلاة الصبح وقبل صلاة العيد.

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ١١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ١١٣