ففي الحديث السابق: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل " مشروعية المسابقة وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة، بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب على الأقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب. [تحفة الأحوذي].
وفي حديث الباب فوائد:
فمن فوائد الحديث: أن فيه جواز السبق بالخيل ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو.
ومن فوائد الحديث: أن فيه مشروعية الاعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة.
تنبيه:
لم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك، لكن ترجم الترمذي له، بقوله: باب المراهنة على الخيل. ولعله أشار إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر المكبر عن نافع عن ابن عمر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل، وجعل بينهما سَبْقاً، وجعل بينهما محللاً، وقال: " لا سبق إلا في حافر أو نصل " [أخرجه ابن حبان بإسناد ضعيف 10/ 543].
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل، وخصه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء، لكن كلامه رحمه الله مرجوح مرفوض لأنه يؤدي إلى القمار كما قاله غير واحد من العلماء، واتفقوا على جواز المسابقة بعوض بشروط ثلاثة:
أولاً: أن يكون العوض من غير المتسابقين.
ثانياً: أن يكون العوض من أحد المتسابقين فقط.
ثالثاً: أن يكون العوض من المتسابقين كليهما، ولكن يدخل بينهما محلل.
قال البغوي في المسابقة: إن كان المال من جهة الامام أو من جهة واحد من عرض الناس شرط للسابق من الفارسين مالا معلوما فجائز، وإذا سبق استحقه.
وإن كان من جهة الفارسين فقال أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي عليك، فهو جائز أيضا، فإذا سبق استحق المشروط، وإن كان المال من جهة كل واحد منهما بأن قال لصاحبه: إن سبقتك فلي عليك كذا، وإن سبقتني فلك علي كذا، فهذا لا يجوز إلا بمحلل يدخل بينهما، إن سبق المحلل أخذ السبقين، وإن سبق فلا شيء عليه، وسمى محللا لأنه محلل للسابق أخذ المال، فبالمحلل يخرج العقد عن أن يكون قمارا، لأن القمار يكون الرجل مترددا بين الغنم والغرم، فإذا دخل بينهما لم يوجد فيه هذا المعنى، ثم إذا جاء المحلل أولا، ثم جاء المستبقان معا أو أحدهما بعد الاخر، أخذ المحلل السبقين، وإن جاء المستبقان معا ثم المحلل، فلا شيء لأحد، وإن جاء أحد المستبقين أولا، ثم المحلل والمستبق الثاني إما معا أو أحدهما بعد الاخر، أحرز السابق سبقه وأخذ سبق المستبق الثاني. [شرح السنة، وتحفة الأحوذي].
ولو أن التجار وأهل المسابقات والجوائز، تاجروا مع الله التجارة الرابحة، التجارة التي لن تبور، وتبرعوا بتلك السيرات والأدوات الكهربائية والمنزلية وغيرها من الجوائز، لو تبرعوا بها لحفظة كتاب الله تعالى، وحفظة سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وحفظ المتون العلمية لكان خيراً لهم وأعظم أجراً، لا سيما في مثل هذا الزمان الذي تكالبت فيه الأمم على الأمة الإسلامية، فضاع كثير من شبابها ورجالها ونسائها، وراء مغريات الحياة، فلعل الله تعالى أن ينفع المسلمين بجوائز أولئك التجار والمساهمين في الخير، وذلك بحث الناس على العودة إلى دينهم من خلال المسابقات الدينية التي تعني بحفظ كتاب الله تعالى وتفسيره واستنباط أحكامه التي يعود نفعها أولاً على أمة الإسلام، وعلى من بذل فيها الجهد والمال، أما أن تنفق الأموال في مسابقات تافهة وداعية زائفة تبعد الناس عن دينهم أكثر من بعدهم هذا، فهذا أمر خطير، وشره مستطير، ووباله أولاً وآخراً على من دعى الناس إليه، وعلى من شارك فيه، فكل تلك المسابقات والجوائز التي تضعها المحلات التجارية القنوات الفضائية ما هي إلا دعاية لإبعاد الناس عن دينهم، وفهم ذلك من فهمه، وجهله من جهله، فكم من الناس اليوم ينتظرون ذلك البرنامج للاتتصال به، في وقتٍ يكون المسلمون في بيوت الله لأداء الصلاة، فيكون ذلك الاتصال سبباً لترك صلاة الجماعة، بل قد يؤخر بعض الناس الصلاة عن وقتها حتى يدرك الاتصال بالبرنامج، أو مشاهدته حتى لا يفوته لحظة منه، وهذا كما قال تعالى: " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ". فهل أدرك المسلمون ذلك الخطر المتربص بهم؟.