ما يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض، وهو المسابقة في الأشياء المباحة، كالمصارعة _ ليست المصارعة التي تظهر على الشاشات، فتلك محرمة على كل حال لما فيها من إساءة الأدب، وإظهار العورات وغير ذلك _ والمسابقة على الأقدام، ورفع الأحجار ليُعرف الأشد.
أما بالنسبة للمسابقة على الأقدام بدون عوض، فيدل على الجواز حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سابقني النبي صلى الله عليه وسلم، فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذه بتلك "
[أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح 10/ 545]، وسابق سلمة بن الأكوع رجلاً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم ذي قَرَد. [أخرجه مسلم وأحمد]، وذو قرد: ماء نحو يوم من المدينة.
وأما دليل جواز المصارعة بلا عوض ما جاء في حديث ركانة، ومصارعة النبي صلى الله عليه وسلم له، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم. [والحديث ضعيف، ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، وضعيف الترمذي].
ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يربعون حجراً ـ أي يرفعونه ـ ليعرفوا الأشد منهم، فلم ينكر عليهم. [المغني 12/ 405].
فالمسابقة جائزة بالسنة والإجماع، فأما السنة فروى ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم: " سابق بين الخيل المُضَمَّرَة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق " [متفق عليه]، قال موسى بن عقبة: من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال، وقال سفيان: من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه. والميل = 1848متراً. والمضمرة: هي التي لا تعلف إلا ما يسد حاجتها فقط، لتكون جاهزة للسباق والجهاد. ولا بأس هنا بالمشقة على الحيوان إذا كان في ذلك فائدة دينية او دنيوية، فالفائدة الدينية: كأن تكون معدة للقتال، فتجويعها يجعلها أكثر صبراً وتحملاً، وأما الفائدة الدنيوية: وسم الحيوان لم يريد البيع والشراء، أو لتمييز الماشية عن غيرها.
عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبّّق بين الخيل، وفضل القُرَّح في الغاية " [أخرجه ابن حبان، وأحمد وأبو داود، وإسناده صحيح، انظر صحيح ابن حبان 10/ 543]، والقُرَّح: جمع قارح، وهو ما كملت سنه، كالبازل في الإبل، وهو الذي دخل في السنة الخامسة. والغاية: هي مدى الشوط الذي ينتهي إليه السبق. فالحديث يدل على شرعية السباق بين الخيل، وأنه يجعل غاية القرح أبعد من غاية ما دونها لقوتها وجلادتها، وهو المراد من قوله: وفضَّل القُرَّح. [سبل السلام 7/ 273].
وأما الإجماع، فقد أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة، والمسابقة على ضربين مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض، فأما المسابقة بغير عوض فتجوز مطلقا من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والسفن والطيور والبغال والحمير والفيلة والمزاريق ـ الرماح القصيرة ـ وتجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشد وغير هذا. [المغني 12/ 404].
قال الخطابي: " السبَق: بفتح الباء ما يجعل للسابق على سبقه من جعل ونوال، فأما السبْق: بسكون الباء فهو مصدر سبقت الرجل أسبقه سبقا، والرواية الصحيحة في هذا الحديث، السبق مفتوحة الباء، يريد أن الجعل والعطاء لا يستحق إلا في سباق الخيل والإبل وما في معناهما، وفي النصل: وهو الرمي، وذلك أن هذه الأمور عدة في قتال العدو، وفي بذل الجعل عليها، ترغيب في الجهاد وتحريض عليه، قال: وأما السباق بالطير والرجل وبالحمام وما يدخل في معناه مما ليس من عدة الحرب ولا من باب القوة على الجهاد، فأخذ السبق عليه قمار محظور لا يجوز. [عون المعبود].
والمراد ذو نصل: كالسهم، وذو خف: كالإبل والفيل، وذو حافر: كالخيل والحمير، أي لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في أحدها، وألحق بعض بها المسابقة بالأقدام، وبعض المسابقة بالأحجار. [تحفة الأحوذي].
ويدخل في معنى الخيل: البغال والحمير، وفي معنى الإبل: الفيل، قيل لأنه أغنى من الإبل في القتال، وألحق بعضهم الشد على الأقدام والمسابقة عليها، وفيه إباحة أخذ المال على المناضلة لمن نضل وعلى المسابقة على الخيل والإبل لمن سبق، وإليه ذهب جماعة من أهل العلم، لأنها عدة لقتال العدو، وفي بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: ليس برهان الخيل بأس إذا أدخل فيها محلل، والسباق بالطير والرجل وبالحمام وما يدخل في معناها مما ليس من عدة الحرب ولا من باب القوة على الجهاد، فأخذ المال عليه قمار محظور، وسئل ابن المسيب عن الدحو بالحجارة؟ فقال: لا بأس به، يقال فلان يدحو بالحجارة: أي يرمي بها.