تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبح شهر رمضان المبارك موسماً رابحاً تتسابق فيه المؤسسات والشركات والمحلات التجارية لعرض منتجاتها، وبضائعها للمتسوقين، وليس هذا هو موضوع البحث والانتقاد، ولكن ما تقدمه تلك المؤسسات والشركات والمحلات التجارية من جوائز قيمة، وهداياً لكل من يشتري منها هو محل البحث والتقصي، من حيث الجواز أو عدمه، وكذلك المسابقات التلفزيونية التي لا يشترك فيها المتسابق إلا بعد شراء بطاقة المسابقة، ولا شك أن كل تلك المسابقات من الميسر والقمار الذي حرمه الله تعالى في كتابه، فقال جل شأنه: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخكر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون " [المائدة 90 - 91].

فأما مسابقات المحلات التجارية، ففيها ظلم لباقي المحلات التي لا تستطيع عمل ذلك، مما يجعل الناس يقبلون على محل معين دون باقي المحلات التجارية، وفي ذلك إضرار بالآخرين، وهذا مما جاء الشرع المطهر بتحريمه، فقال تعالى في الحديث القدسي: " ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ".

وقال صلى الله عليه وسلم: " الظلم ظلمات يوم القيامة "، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار "، ولا ريب أن عمل مثل تلك المسابقات فيه إضرار بالغير، وجذب للناس واحتكار لهم، وهذا من العدوان على الآخرين، إضافة إلى ما في ذلك من أكل لأموال الناس بالباطل، فالمسألة مسألة ميسر وقمار، فالكل يتسابق ويدفع ويشتري سلعاً لا يريدها ولا يرغب بها، ولكن من أجل الدخول في المسابقة، وقد يخسر أمولاً طائلة وفي النهاية لا يحصل على شيء، فيصبح غارماً، وكل عقد دار بين الغنم والغرم فهو ميسر، وكذلك بطاقات المسابقات الرمضانية، لا تخرج عن كونها ميسراً وقماراً، فالمتسابق يشتري البطاقات من أجل الاتصال لحجز رقم له من بين المتسابقين، وقد يفوز وقد لا يفوز، فهو إما غارم، وإما غانم، وفي كلتا الحالتين هو ميسر وقمار، لأنه إن خسر فقد ماله بدون وجه حق، وإن كسب أخذ زيادة على ماله، وهذا أمر محرم، لأنه دفع مالاً قليلاً في سبيل الحصول على مال أكثر منه أشبه الربا، والبطاقة بينهما لتجويز المسابقة، ولحل مال حرام، وهذا من التحايل على الله تعالى، والحيل لا تقلب المحرم حلالاً، بل تزيده قبحاً وفحشاً. وهذا العمل من قبيل عمل بني إسرائيل في الحيلة على الشحوم عندما حرمها الله عليهم أذابوها وأكلوا ثمنها متحايلين على الله تعالى، فمسخهم قردة وخنازير والعياذ بالله، وهذه عاقبة الظالمين.

ولو نظرنا إلى الهدف الأساسي من تلك الجوائز والمسابقات، لرأينا أن المردود الحقيقي والعائد الفعلي، يعود على أصحاب المحلات ومنظموا المسابقات، أما جمهور المسلمين المشاركين، فلا فائدة ترجى من مشاركاتهم، ولا مردود يمكن أن يحظى به المتسابق أو المشتري من الناحية الدينية، أما الدنيوية فليست بذات أهمية، لأن الله تعالى لم يذكر الدنيا في كتابه العزيز، إلا وقرنها بالذم والقبح، قال تعالى: " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " [آل عمران 185]، وقال تعالى: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " [هود 15 - 16].

وفيما يأتي سأذكر بعض الأدلة التي تدل على جواز السبق بعوض في ثلاثة أشياء فقط: وهي الخيل والإبل والسهام، وما عدا ذلك فغير جائز إن كان بعوض.

وقد قسم بعض العلماء المسابقة إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول:

ما جاز بعوض، وبغير عوض، مثل الأمور الثلاثة التي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا سَبَقَ إلا في خف أو حافر أو نصل " [أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح 10/ 544، وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم].

القسم الثاني:

ما حرم بعوض وغيره، مثل: الشطرنج، والبلوت، والضومنة، وغيرها مما يلهي المسلمين، ولا يعود عليهم إلا بشر، وضياع الوقت، ومما يكون سبباً في العداوة والبغضاء بينهم، فهذه الأمور محرمة سواءً بعوض، أو بغير عوض، وإن كانت بعوض كانت من الميسر والقمار، وهو حرام ولا شك. وقيل أن ضابط ذلك القسم: أنه يلهي كثيراً، ويُكسب قليلاً، وكل ما ألهى كثيراً، وأكسب قليلاً فهو محرم.

وهذا النوع يرخص فيه للضغار ما لا يرخص للكبار، لأن الصغير لا بد أن يلهي نفسه باللعب والمسابقة وما أشبه ذلك، وليس مكلفاً بحفظ الوقت كما يكلف الكبير، ولذلك يرخص للصغار في أشياء من اللعب لا يرخص فيها للكبار.

القسم الثالث:

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ١١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ١١٠