"لا شك أن انتشار الوهم والخرافة في الريف جاء نتيجة طبيعية لغياب الوعي الديني بين سكانه، واختفاء الدعاة الأكفاء .. إن مساجد القرية خلت في معظمها من الأئمة المؤهلين، وأصبحت حكراً على الجهلة وأنصاف الأميين، وانتشرت فيها ظاهرة الخطب المنبرية المنقولة من الأوراق الصفراء البالية، والتي حولت كثيراً من خطباء القرى إلى ببغاوات يرددون خطباً محفوظة، منحدرة من عصور الجهل والتخلف، وموزعة على أسابيع السنة لكل أسبوع خطبة لا تتغير ولا تتبدل، وفيها ما فيها من خطأ وخلط وسجع مبتذل، وأحاديث مكذوبة، وأفكار ساذجة بلهاء، مما أشاع في أوساط أهل الريف، التواكل والأمية والسلبية.
ولا ترى القرية المصرية النور إلا حينما يزورها واعظ المركز .. وحتى واعظ المركز شعاره حينما يخطب أو يعظ: "ليس في الإمكان أبدع مما كان، ودعوا الناس وما يدينون!! ".
الصوفية شوهت جلال الإسلام:
وهكذا خلت ساحة العمل الديني للمرتزقة والدجالين، الذين شغفوا بالخرافة، وشوهوا جلال الإسلام .. وعلى القمة أمسكت الصوفية بزمام الدعوة، وراحت توزع صكوك الغفران، وتتنافس على صناديق النذور، وتقاسم الفلاح المسكين رزقه، وزرعه حتى قبل أن ينضج.
قلت للدكتور جميل غازي .. نحن لا شك نتفق معكم في تشخيص الأزمة الفكرية والدينية التي تعانيها القرية .. ولكن كيف يمكن تحرير الريف المصري من الخرافة؟ وكيف يمكن الارتفاع بمستوى الوعي الديني للفلاح؟
يجيب فضيلته قائلاً: لا سبيل إلى مواجهة هذا التخلف الفكري والديني، إلا بإعداد نوعية جديدة من الدعاة الأكفاء المؤهلين الذين يتفهمون الدعوة كرسالة وجهاد في سبيل الله، لا كمهنة أو مجال للارتزاق.
إن كثيراًَ من الدعاة والوعاظ في هذا الجيل، وبعض أجيال أخرى سبقتهم المسؤولون عن هذه المحنة التي تتعرض لها الدعوة الإسلامية، وعن تلك الأمية الدينية السائدة لا في الريف فقط، ولكن في المدينة أيضاً، وإن اختلفت مظاهرها.