وسياط الأمل في الوصول تطاردهم، وإغراءات المشايخ تدفعهم .. وهم يتساقطون من الداخل يوماً بعد يوم .. حسرة على أحلام بدا واضحاً أنها لن تتحقق، وأوهام أصبحوا أسرى قيودها .. تزداد حلقاتها ضغطاً كل لحظة .. وقنوط امتزج بجثة رجاء مشلول .. يموت قطعة بعد قطعة!
فيتحولون إلى المرحلة الثانية .. محاولة إدراك الآخرة مادامت الدنيا قد أفلتت منهم، وحتى هذه ليست عن إيمان خالص، ولكنها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .. ثمناً للعمر الذي ضاع في أوهام، وضح بعد فوات الأوان أنها كاذبة.
بعضهم تتخلخل صلته بمشايخه في هذه المرحلة، ويفلت إلى كل موبقات الدنيا .. يعب منها قبل أن يفقد القدرة حتى على ارتكاب المعاصي.
وبعضهم يزداد التصاقاً بالشيوخ، والتمرغ تحت أقدام الأقطاب .. أملاً في الآخرة، فهو لا يريد أن يخسر الدارين، ويزداد جنوناً ويستغرق في أحلام اليقظة، ويقبل على التلفيق، وفي زحمة عشرات النوازع التي تنتابه يهرف أو يخرف .. فينسب لنفسه كرامات يلفقها أو يتخيلها .. صيانة لنفسه من الضياع.
تلك هي مرحلة الانسحاق الكامل لهذا الإنسان المحبط .. الذي أعطى حياته للأوهام .. فليس أماه إلا أن يغرق فيها ليستريح .. فيهيم ضالاً ومضللاً .. ينسج الخرافات، ويستمع إليها ويفلسفها ويبررها ويطرب لها.