وسكت واعتبر هذا مني إهانة لضيافته، وأخذ زوجته، وأخذت زوجته الخروف وابنها، وانصرفوا من العباسية في القاهرة إلى "طنطا"، وحينما وقفت أودعهم .. همست في أذن الزوج أنه إذا تفضل بعدم المرور علينا بعد العودة من مهرجان الشرك .. فإنني أكون شاكراً له ما يفعل، وإلا لقي مني ما يضايقه .. وازداد ذهول الرجل ومضى الركب الغريب يسوق الخروج نحو "طنطا" ..
وانثنت زوجتي تلومني لأنني كنت قاسياً معهم، وهم الذين يخافون على طفلهم .. الذي عاش لهم بعد أن تقدمت بهما العمر، ومات لهما من الأطفال الكثير .. وصحت في زوجتي: إن الطفل إذا كان سيعيش فذلك لأن الله يريد له أن يعيش، وإن كان سيموت فذلك لأن الله يريد له ذلك، لا شريك لله في أوامره، ولا شريك له في إرادته.
وذهبت إلى إدارة الجريدة التي أعمل بها .. وإذا بالدكتور يتصل بي تليفونياً ليتحدث معي في شأن له، ولم يخطر بباله أن يسألني: ما فعل بي الكتاب؟ أو ماذا فعلت به .. واضطررت أن أقول له .. أني في حاجة لمناقشة بعض ما جاء في الكتاب معه .. والتقينا في الليل وحدثته عن الكارثة التي جاءتني من الصعيد، ولم يعلق على محاولتي إقناعهم بالعدول عن شركهم .. مع أنني منذ أيام فقط كنت لا أقل شركاً عنهم .. وقلت له: ألا يلفت نظرك أنني أقول لهم ما كنت تقوله لي؟
قال في هدوء يغيظ: إنه كان على يقين من أنني سوف أكون شيئاً مفيداً للدعوة .. وأردت الاحتجاج على أنني من "الأشياء" ولست من الآدميين .. لكن الدكتور لم يتوقف وقال: لقد صدر منك كل هذا بعد قراءة نصف الكتاب .. فكيف بك إذا قرأت الكتب الأخرى .. وأغرق في الضحك .. وعلمت بعد أيام أن قريبتي عادة من "طنطا" إلى الصعيد مباشرة دون المرور علينا في القاهرة، وأنها غاضبة مني، وشكتني لكل شيوخ الأسرة، وفي الأسبوع الثاني فوجئت بجرس الباب يدق .. وذهب ابني الصغير ليستطلع الأمر .. ثم عاد يقول لي:
ـ إبراهيم الحران ..