ولما كان "ابن معمر" قد ارتبط مع الشيخ في مصاهرة .. فقد زوجه ابنته فإنه تردد في قتله، ولكنه دعاه إلى اجتماع مغلق، وقرأ عليه رسالة حاكم "الإحساء" ثم رسم اليأس كله على ملامحه، وقال له: إنه لا يستطيع أن يعصي أمراً لحاكم "الإحساء" لأنه لا قبل له به .. ولعلها لحظة يأس كشفت للشيخ عن عدم إيمان "ابن معمر" .. ولم تزد الشيخ إلا إصراراً على عقيدته، وقوة توحيده .. فالحكام الطغاة لا يحاربون دائماً إلا داعية الحق .. وقبل الشيخ في غير عتاب أن يغادر "العيينة" مهاجراً في سبيل الله بتوحيده باحثاً عن أرض جديدة يزرعه فيها.
في الصباح استيقظت على ضجة في البيت غير عادية .. واعتدلت في فراشي ووصلت إلى أذني أصوات ليست آدمية خالصة، ولا حيوانية خالصة .. ثغاء، وصياح، ولكام .. غير مفهوم العبارات .. وقلت لابد أنني أعاني من بقية حلم ثقيل .. فتأكدت من يقظتي، ولكن "الثغاء" هذه المرة .. اخترق طبلة أذني .. ودخلت علي زوجتي تحمل إلي أنباء سارة جداً وهي تتلخص في أن ابنة خالتي التي تعيش في أقصى الصعيد .. ومعها زوجها وابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات قد وصلوا في قطار الصعيد فجراً ومعهم "الخروف" ..
وظنت أن زوجتي تداعبني .. أو أن ابنة خالتي، وكنت أعرف أن أولادها يموتون في السنوات الأولى .. قد أطلقت على طفل لها اسم "خروف" لكي يعيش مثلاً .. وهي عادات معروفة في الصعيد .. وقبل أن أتبين المسألة أحسست بمظاهرة من أولادي تقترب من باب حجرة نومي .. وفجأة وبدون استئذان اقتحم الباب "خروف" له فروة، وقرون، وأربعة أقدام .. واندفع في جنون من مطاردة الأولاد له .. فحطم ما اعترض طريقه .. ثم اتجه إلى المرآة، وفي قفزة "هترية" اعتدى على المرآة بنطحة قوية تداعت بعدها، وأحدثت أصواتاً عجيبة وهي تتحطم.