تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ إذاً كيف يمشي بعضهم على الماء أو يطير في الهواء .. أو يقطف ثمار الجنة وهو على الأرض .. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك؟

كان يمكن أن يكون ذلك كافياً لإقناعي أو لتراجعي .. لكن التعصب قاتله الله .. كبر على أن أسلم بهذه البساطة – كيف ألغي ثقافة إسلامية عمرها في حياتي أكثر من ثلاثين عاماً .. قد تكون مغلوطة .. غير أني فهمتها على أنها الحقيقة ولا حقيقة سواها.

وعدت أقرأ من جديد في الكتب التي تملأ مكتبتي .. وأعود إلى الدكتور ويستمر الحوار بيننا إلى ساعة متأخرة من الليل – فقد كنت من كبار عشاق الصوفية .. لماذا؟ لأني أحب أشعارهم وأحب موسيقاهم وألحانهم التي هي مزيج من التراث الشعبي، وخليط من ألحان قديمة متنوعة .. شرقية، وفارسية ومملوكية، وطبلة أفريقية أحياناً .. تدق وحدها .. أو ناي مصري حزين ينفرد بالأنين مع بعض أشعارهم التي تتحدث عن لقاء الحبيب بمحبوبه وقت السحر.

لهذا وللأسباب الأخرى أحببت الصوفية .. وكنت أعشقها، وأحفظ عن ظهر قلب الكثير من شعر أقطابها .. لا سيما "ابن الفارض" وكل حجتي التي أبسطها في معارضة الدكتور أنه وأمثاله من الذين يدعون إلى "التوحيد" لا يرون للدين روحاً، وإنما يجردونه من الخيال، وأنهم لابد أن يصلوا إلى ما وصل إليه أصحاب الكرامات .. لكي يدركوا ما هي الكرامات .. فلن يعرف الموج إلا من شاهد البحر، ولا يعرف العشق إلا من كابد الحب – وهذا أسلوب صوفي أيضاً في الاستدلال ولهم بيت شهير في هذا المعنى.

وحتى لا يضطرب وجداني، وتتمزق مشاعري .. حاولت أن أنقطع عن لقاء الدكتور .. ولكنه لم يتركني .. فوجئت به يدق جرس الباب ولم أصدق عيني كان هو .. قد جاء يسأل عني وتكلمنا كالعادة كثيراً وطويلاً .. فلما سألني عن سبب عدم حضوري لصلاة الجمعة معه قلت له بصراحة:

ـ لقد يئست منك ..

ـ قال: ولكني لم أيأس منك .. أنت فيك خير كثير للعقيدة.

الصوفية والوجه الآخر · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصوفية والوجه الآخرص ١٢٢