في أول الأمر اهتززت .. فقدت توازني .. كنت أعود إلى بيتي بعد صلاة كل جمعة حزيناً .. شيء ما يجثم فوق صدري يقيد أحاسيسي ومشاعري .. أحاول في مشقة أن أخرج عن هذا الخاطر .. هل كنت في ضلالة طوال هذه الأعوام؟ أم أن صديقي الدكتور قد بالغ في الأمر .. فأنا أعتقد أن كل من نطق "بالشهادة" لا يمكن أن يكون كافراً .. لهفوة من الهفوات أو زلة من الزلات.
شيء آخر أشعل في فؤادي لهباً يأكل طمأنينتي في بطء .. إن الدكتور يضعني في مواجهة صريحة ضد أصحاب الأضرحة الأولياء .. والخطباء على المنابر صباحاً مساءً يعلنونها صريحة أن الذي يؤذي ولياً فهو في حرب مع الله سبحانه وتعالى .. وهناك حديث صحيح في هذا المعنى .. وأنا لا أريد أن أدخل في حرب ضد أصحاب القبور والضرحة لأنني أعوذ بالله من أن أدخل في حرب معه جل جلاله.
وقلت: أن أسلم وسيلة للدفاع هي الهجوم .. واستعدت قراءة بعض الصفحات من كتاب "إحياء علوم الدين للغزالي" وصفحات أخرى من كتاب "لطائف المنن لابن عطاء السكندري" وحفظت عن ظهر قلب الكرامات، وأسماء أصحابها، ومناسبات وقوعها، وذهبت الجمعة الثانية، وكظمت غيظي وأنا أستمع إلى الدكتور فلما انتهى من الدرس .. أصر على أن يدعوني لتناول الغداء، وبعد الغداء .. تسلمته هجوماً بلا هوادة .. معتمداً على عاملين: الأول: هو أنني حفظت كمية لا بأس بها من الكرامات، والثانية: أني على ثقة من أنه لن يتهور فيداعبني بكفيه الغليظتين لأنني في بيته، وتناولت طعامه فأمنت غضبته .. وقلت له: والآتي هو المعنى، وليس نص الحوار "إن الأولياء لا يدرك درجاتهم إلا من كان على درجتهم من الصفاء والشفافية، وأنهم رجال أخلصوا لله .. فجعل لهم دون الناس ما خصهم به من آيات .. وأن .. وأن .. وأن .. وانتظر الدكتور حتى انتهيت من هجومي .. وأحسست أنه لن يجد ما يقوله .. وإذا به يقول:
ـ هل تعتقد أن أي شيخ منهم كان أكرم على الله من رسوله ... ؟
ـ قلت مذهولاً: لا.