تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن وإن كنا لا نتهم كل الصوفية بهذه البدعة لأن القول بها ضلال وكفر وانحراف ولا يقول به إلا غلاتهم , إلا أن أجواء الصوفية ربما تساعد على نشوء مثل هذه الأفكار أو قريباً منها , فالاستغراق في توحيد الربوبية وأن الله رب كل شيء ومليكه , وفي القضاء والقدر الكوني الذي يسري على المؤمن والكافر , دون الإلتفات إلى جانب المر والنهي الشرعيين والمخاطب بهما المؤمنين والذي هو جانب توحيد الألوهية , والاستغراق في كلمات ذوقية مثل الحب الإلهي والعشق الإلهي , كل هذا أدى إلى قول أبي يزيد البسطامي عندما اجتاز بمقبرة اليهود: " معذورون" ومر بمقبرة المسلمين فقال " مغرورون " ثم يخاطب الله سبحانه وتعالى: " ما هؤلاء حتى تعذبهم حطام جرت عليهم القضايا , اعف عنهم " (1) وكأنه يريد أن يثبت رحمته للجنس البشري كله , وكأنه أرحم من الله سبحانه بعباده , ومن هذا القبيل ما روى الأمير شكيب أرسلان عن أحمد الشريف السنوسي (2) أن عمه الأستاذ المهدي كان يقول له: " لا تحتقرن أحداًً لا مسلماً ولا نصرانياً ولا يهودياً ولا كافراً لعله يكون في نفسه عند الله أفضل منك إذ أنت لا تدري تكون خاتمتك " (3). وهذا الكلام غير صحيح من الشيخ السنوسي لأننا عندما نحتقر الكافر نحتقره لكفره وعندما يسلم نحترمه لإسلامه ونحن لنا الظاهر , ولكن أثر التصوف واضح فيه وإن كنت لا أعتقد أنه ممن يقول بوحدة الأديان.

إن هذه العقيدة شبيهة بأفكار الماسونية التي تدعو إلى وحدة الإنسانية وترك الاختلاف بسبب الأديان فليترك كل واحد دينه وعقيدته وإنما تجمعنا الإنسانية , دعوة خبيثة ملمسها ناعم ولكنها تحمل السم الزعاف في أحشائها.

* * *

المبحث الرابع الأولياء والكرامات

من أكثر الأشياء التي يدندن حولها الصوفية قديماً وحديثاً موضوع الأولياء والكرامات التي تحصل لهم , وقبل إن نتكلم عن مدى مطابقة ما يذهبون إليه للكتاب والسنة , قبل هذا لا بد تعريف الولي وكيف تطورت هذه اللفظة لتصبح مصطلحاً خاصاً علماً على فئة معينة ثم نتكلم عن الكرامات وما هو مقبول منها وما هو مردود.

(1) يدوي: تاريخ التصوف / 28.

(2) من زعماء الحركة السنوسية التي ظهرت في ليبيا في العصر الحاضر ولهم مواقف ضد الإستعار الإيطالي.

(3) حاضر العالم الإسلامي 2/ 164.

الصوفية .. نشأتها وتطورها · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصوفية .. نشأتها وتطورهاص ٣٨